نيفين العياصرة تكتب: لا تحاربوا الإرهاب بالخطب... وأنتم تصنعون أسبابه!
نبأ الأردن -
ألم تنشد يوماً:"لا نريد ظلمنا المؤبد وعيشنا المنكّد"، هل سألنا أنفسنا يوماً ماذا يعني الظلم المؤبد؟ وماذا يعني العيش المنكّد؟ هل توقفنا عند المعاني التي تختبئ خلف هذه الكلمات؟ أم اكتفينا بترديدها دون أن نفتش عن الممارسات التي تجعل الإنسان يعيشها كل يوم؟.
الظلم المؤبد قد يبدأ من وظيفة يستحقها شاب وتذهب إلى شخص آخر لأن خلفه واسطة، ومن كفاءة تُقصى لأن صاحبها لا ينتمي إلى الشلّة المناسبة، ومن مواطن يطرق أبواب المؤسسات سنوات فيما تُفتح الأبواب لغيره بمكالمة هاتفية، وقد يبدأ من حزب يتحدث عن الديمقراطية وتداول المواقع ثم يجد شبابه أنفسهم في الصفوف الخلفية، ومن مؤسسة تتغنى بتكافؤ الفرص بينما المحسوبية ترسم خريطة الفرص مسبقاً.
أما العيش المنكّد فله وجوه كثيرة، شاب يحمل شهادة جامعية ويعجز عن تأمين أبسط احتياجاته، وأب يراقب أبناءه وهم يكبرون أمامه دون أفق، وخريج يقضي سنوات عمره في انتظار فرصة فيما البطالة والفقر يسرقان منه إحساسه بجدوى تعبه، إنها مشاعر تتراكم: قهر، وغضب، وإحباط، وشعور بالإقصاء، وفقدان للثقة بالمؤسسات وبالعدالة.
وهنا تحديداً علينا أن نتوقف، فالإرهاب لا يخلق كل هذه المظالم لكنه يعرف كيف يستثمر فيها، ويعرف كيف يصل إلى الإنسان المحبط وكيف يخاطب شعوره بالخذلان وكيف يحوّل غضبه إلى كراهية ويقدم له إجابات متطرفة عن أسئلة تركناها معلقة، يستغل التهميش ليبيع الوهم ويستثمر الإقصاء ليعرض نفسه بوصفه بديلاً ويوظف الشعور بالظلم ليقود صاحبه إلى طريق العنف.
وهذا كله لا يعفي الإرهابي من مسؤوليته عن جريمته ولا يمنح العنف أي مبرر، لكنه يفرض علينا أن نفهم البيئات التي يستغلها المتطرفون وأن نواجه الأسباب الاجتماعية والمؤسسية التي تمنح خطابهم فرصة للوصول إلى الناس.
قبل أن نبدأ بمحاضرات محاربة التطرف علينا أن نبدأ بمراجعة سلوكياتنا وممارساتنا في الحكومة وفي المؤسسات الرسمية وفي الأحزاب وفي الجامعات وفي كل مكان تُصنع فيه فرص الإنسان أو تُغلق أمامه.
لا يكفي أن نطلب من الشباب الاعتدال ونحن نمارس الإقصاء ولا أن نحدثهم عن الانتماء ونحن نضع الواسطة فوق الكفاءة، ولا أن نطالبهم بالثقة بينما يشاهدون حقوقهم تذهب إلى أصحاب النفوذ، العدالة ليست شعاراً في ندوة وتكافؤ الفرص ليس جملة في خطاب رسمي، إنهما ممارسة يومية يشعر بها المواطن في تفاصيل حياته.
ثم نخرج لنعقد المؤتمرات والندوات عن الإرهاب والتطرف ونستضيف الخبراء ونرفع الشعارات ونصدر التوصيات، وبعد انتهاء الندوة نعود إلى المحسوبية والتمييز والإقصاء وكأننا عالجنا المشكلة بمجرد التقاط صورة جماعية!.
دعوني أعود إلى الحديد أشعل النار تحته وأتركه حتى يصبح قابلاً للطي،
ثم يأتي شخص فيكسره.
هل أحاسب من كسره وحده وأتجاهل من أشعل النار وراقب ارتفاع الحرارة؟
بالطبع من كسر الحديد مسؤول لكن ماذا عن الذي أشعل النار؟ وماذا عن الذي شاهدها تشتعل ولم يحرك ساكناً؟
هذه هي حكايتنا مع الوقاية من الإرهاب، نريد شباباً معتدلاً لكننا نترك بعض الممارسات تدفعهم إلى اليأس، نريدهم مؤمنين بالمؤسسات لكننا نسمح لسلوكيات تهدم ثقتهم بها، نطلب منهم الانتماء ثم نجعل أبسط حقوقهم امتيازات تحتاج إلى واسطة،
كفانا خطباً عن التطرف فيما نترك التهميش والإقصاء والواسطة والبطالة تصنع بيئات الإحباط!
حاربوا البطالة وأوقفوا المحسوبة وافتحوا أبواب المؤسسات أمام الكفاءات وأنصفوا أصحاب الحقوق واجعلوا المشاركة الحزبية والسياسية فرصة حقيقية للشباب لا واجهة تجميلية للقيادات القديمة.
لا تسألوا فقط من أين جاء الإرهاب، اسألوا أيضاً كم باباً أغلقناه في وجه شاب وكم حلماً سحقناه وكم مرة طلبنا منه الصبر بينما كان حقه يذهب إلى غيره.
فمن السهل أن نلعن النار بعد احتراق البيت لكن المسؤولية الحقيقية أن نسأل: من أشعلها؟ ومن تركها حتى التهمت كل شيء؟.
























