د. عبدالله محمد القضاه يكتب: غزة والضفة بعد الانتخابات الإسرائيلية: اختبار الأمن الوطني الأردني
نبأ الأردن -
لم تعد تداعيات الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي أزمة إنسانية أو سياسية محصورة، بل باتت عاملاً يعيد تشكيل البيئة الأمنية والاستراتيجية في المنطقة، وفي مقدمتها الأردن. فالإحاطة التي قدمها خبراء الأمم المتحدة أمام لجنة حقوق الشعب الفلسطيني في نيويورك، في 29 تشرين الأول 2026، لم تكتفِ بتوصيف الكارثة في غزة والعنف والتهجير المتصاعدَين في الضفة الغربية، بل حذّرت من مسار يهدد مقومات الحياة والاستقرار وفرص قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة.
وتكمن خطورة المشهد في أثره المتراكم عبر الأجيال: استيطان، ومصادرة أراضٍ، وتهجير، وتقويض للتعليم والتنمية. لذلك فإن وقف إطلاق النار، على أهميته، لا يكفي وحده ما لم يقترن بمسار سياسي يعالج جذور الصراع ويمنع تحويل الوقائع الميدانية إلى تسوية مفروضة بالقوة.
أما الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة، التي لم تمنح أياً من المعسكرين أغلبية واضحة رغم تقدم الليكود، ورفعت تمثيل الأحزاب العربية إلى 19 مقعداً وفق النتائج التي أوردتها وكالة أسوشيتد برس، فلا ينبغي قراءتها باعتبارها تحولاً مؤكداً في الموقف من القضية الفلسطينية. فهي تعكس انقسامات داخلية حول إخفاقات السابع من تشرين الأول، ومستقبل القيادة، والخدمة العسكرية، والاقتصاد، وطبيعة النظام السياسي. وقد تفضي إلى حكومة يمينية أو ائتلاف أكثر اعتدالاً أو انسداد سياسي جديد، لكن المعيار الحقيقي سيبقى في الأفعال: هل تتوقف سياسات الاستيطان والضم والتهجير، أم يستمر فرض الأمر الواقع؟
ومن زاوية الأمن الوطني الأردني، تبدو الضفة الغربية مركز الثقل الأخطر؛ فهي العمق الجغرافي والسياسي المتصل بالمملكة. وتسارع الاستيطان ومصادرة الأراضي قد يكرسان ضماً فعلياً من دون إعلان رسمي، فيما يهدد التهجير المباشر أو غير المباشر بخلق ضغوط سكانية وأمنية تمس السيادة والاستقرار. كما أن إضعاف السلطة الفلسطينية يفتح الباب أمام فراغ أمني وتعدد مراكز القوة. وليس معنى ذلك أن التهجير حتمي، لكنه احتمال استراتيجي يستدعي الجاهزية والمنع والتعامل المسؤول مع أي تداعيات.
ولا تنفصل هذه المخاطر عن القدس والوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية. فأي مساس بالوضع التاريخي والقانوني القائم في المسجد الأقصى قد يحول الصراع إلى مواجهة أوسع، تتجاوز حدوده الجغرافية.
ويحتاج الأردن، في مواجهة ذلك، إلى مقاربة استباقية تجمع الجاهزية الوطنية لسيناريوهات التهجير والضم والانهيار المؤسسي، والتحرك الدبلوماسي المكثف مع القوى الدولية، ودعم صمود الفلسطينيين ومؤسساتهم، وتعزيز الجبهة الداخلية، وبناء منظومة متابعة ترصد القرارات والتشريعات والتحركات الميدانية لا التصريحات وحدها.
فالخطر لا يكمن في استمرار الحرب فحسب، بل في نجاح فرض واقع يجعل قيام الدولة الفلسطينية مستحيلاً ويدفع بنتائج الصراع إلى دول الجوار. والأردن ليس معنياً بالمراقبة فقط، بل بمنع تحول هذا المسار إلى تهديد مباشر لأمنه وسيادته. والسلام الحقيقي لا يقوم على تجميد الصراع، وإنما على إنهاء أسبابه وضمان الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني وإقامة دولته المستقلة.

























