يوسف الطورة يكتب: يوسف الطورة يكتب : فساد يرتدي ربطة عنق.. وعبث يقتل وطناً بصمت

يوسف الطورة يكتب:  يوسف الطورة يكتب : فساد يرتدي ربطة عنق.. وعبث يقتل وطناً بصمت
نبأ الأردن -
ثمة عبث يهدد أمن المجتمع لا يقل خطورة عن الجرائم التي تخلف وراءها مشاهد الدماء؛ عبثية تقتل الأحلام، وتغتال الفرص، وتنتهك الحقوق، وتبدد العدالة، وتدفع الناس إلى حافة اليأس والإحباط.

فليست كل الجرائم ترتكب بالسلاح والعنف، فبعضها يمارس بالفساد، وتكون ضحاياه احلاماً وحقوقاً مهدورة، ومستقبلاً مسلوباً.

فالعبث والاختلال قد يرتديان ربطة عنق، ويختبئان خلف المكاتب الفارهة، ويتحصنان أحياناً بالمنصب والنفوذ، وفي الحالتين هناك ضحايا يدفعون الثمن. 

من يسطو على وظائف الشباب دون وجه حق، ويحرمهم فرصهم المستحقة، ثم يتركهم فريسة للبطالة والعوز والفراغ، يمارس شكلاً من أشكال العبث الاجتماعي والمعتقد.

من يستبيح المال العام ويتخذ من وظيفته جسراً للثراء والنفوذ، ويقصي كل من يجرؤ على قول "لا"، لا يقل خطورة عمن يعتدي على أمن المجتمع وسلامته.

ومن يستغل فقر الناس وحاجتهم، ويشتري ضمائرهم بأثمان الحاجة والعوز ليصل إلى موقع لا يستحقه، ثم يتحول إلى عبء جديد على وطن أنهكته الأعباء، يقيناً يمارس ابتزازاً سياسياً وأخلاقياً لا يقل فداحة عن الاعتداء على كرامة الإنسان.

ومن يحتكر الامتيازات لنفسه وعائلته ومحاسيبه، ويحول السلطة والمناصب والمكاسب إلى إرث عائلي متداول، وكأن الدولة ملكية خاصة، ويترك بقية المواطنين يتصارعون مع الفقر وضيق الحال، يكرس أبشع صور العبث المؤسسي.

ومن يتلقى هو وأفراد أسرته ومقربوه العلاج في أرقى المستشفيات، بينما يترك المواطن لمواجهة الموت المؤجل على أبواب العيادات وفي طوابير الانتظار، ومن الأبواب الخلفية يدخل أصحاب الحظوة، فإنه لا ينتهك مبدأ العدالة، وإنما يعبث بأقدس حقوق الإنسان الحق في الحياة.

ومن يرفع كلفة المحروقات على الأردنيين بضرائب فرضت كرها لا طواعية وأعباء تثقل ظهورهم وجيوبهم، وعوائد ربما تتخطى الدولة المنتجة، تتضخم هوامش الأرباح إلى مستويات تستدعي المساءلة والمكاشفة، إنما يحمل المواطنين الواقفين على عتبات التكايا والمعونة الوطنية فاتورة اختلالات لا يجوز أن يكون هو ضحيتها الدائمة.

ومن صنع منظومة الواسطة والمحسوبية حتى أصبح الحق استثناء، والاستحقاق مشروطاً بمعرفة صاحب القرار، والكفاءة عاجزة أمام القرابة والنفوذ، فهو عبث يرتدي بدلة وربطة عنق.

ومن يعبث بالمقدرات الوطنية تحت شعارات الخصخصة والتحديث والإصلاح، وباع مؤسسات كانت تشكل رافعة للاقتصاد وفرص العمل، دون ضمانات حقيقية للمصلحة العامة أو مساءلة كافية عن نتائج تلك السياسات، لا يملك حق الاحتماء بالشعارات لتبرير ما جرى، فالمقدرات الوطنية ليست غنائم في سوق العبث.

ومن أوصل الفقر والبطالة والتفكك الأسري وحالات الطلاق والانتحار إلى مستويات تستوجب الوقوف أمامها بجدية ومسؤولية، ثم اكتفى بإدارة الأرقام وتدوير الوعود، عليه أن يدرك أن الفشل في حماية المجتمع ليس مجرد إخفاق إداري؛ إنه مسؤولية سياسية وأخلاقية لا تسقط بالتقادم.

ومن يتلاعب بنتائج الانتخابات، هي نفسها الانتخابات التي يربحها في الغالب اهل المال، أو يشوه إرادة الناخبين، أو يوظف استطلاعات الرأي الرسمية لتسويق الحكومات وتجميل صورتها، مقدماً إياها باعتبارها إنجازات وطنية لا تقبل النقاش، ثم تتلقفها بعض صحف طن ورق وغرام حقائق  بوصفها حقائق منزلة، إنما يعتدي على وعي الناس وحقهم في المعرفة، ويحول الإعلام من سلطة رقابة إلى منصة ترويج.

ومن يتجاهل حوادث السير المتكررة على الطريق الخلفي الرابط بالمنظومة المينائية، ولا يبادر إلى دراسة أسبابها ومعالجتها وتوفير البدائل الآمنة، رغم ما تخلفه من خسائر في الأرواح، فإن إهماله لا يمكن أن يختزل في خانة التقصير العابر؛ فحين تكون الأرواح معلقة بقرار مؤجل يصبح الصمت نفسه موضع مساءلة.

أما الأخطر فهو ذلك الذي يشيطن كل من يخالفه الرأي، ويحتكر لنفسه تعريف الوطنية، ويصنف النقد خيانة، والمساءلة استهدافاً، والاعتراض خروجاً على الثوابت.

ثم يمنح أفعاله ومصالحه صفة القداسة حتى يصبح نهب المال نهباً مقدساً، والاستئثار بالحقوق ضرورة وطنية مقدسة، وحين يسأل من أين لك هذا؟ يجيب هو من عند الله، وكأن الله اصطفاه ليغدق عليه من فضله دوناً عن العالمين، وكأن ما بين يديه هبة سماوية لا مال عام ولا حقوق مواطنين.

ثمة من يتصرف وكأن الله اصطفاه دون سائر الناس، ومنحه عصا موسى ليشق بها الوطن إلى معسكرين؛ معسكر يملك كل شيء، ومعسكر يطلب منه التسليم والصمت.

وكأن عصاه ابتلعت كل أصوات الاعتراض، ولم يبقى أمام الناس سوى الغرق الجماعي، وينجو وحده، ويسمي ذلك النجاة المقدسة، وأن على الجميع التسليم الكامل.

هؤلاء لا يسرقون المال وحده إنهم يصادرون العقول، ويختطفون الوعي، ويعيدون تشكيل المجتمع على قاعدة الخوف والتبعية، وينتظرون من الناس أن يصفقوا لمن يسرق أحلامهم، وأن يشكروا من يحرمهم حقوقهم، وأن يعتبروا الصمت حكمة والاعتراض جريمة.

لكن السؤال الأكثر إيلاماً لا يتعلق بهؤلاء وحدهم، وإنما بمن يعرف ويملك سلطة المحاسبة، ويستطيع وقف التجاوزات، ثم يختار الصمت أو التغطية أو التسويف. 

فالمسؤولية لا تقع على من يرتكب التجاوز فقط، وإنما تمتد إلى كل من يحميه، أو يوفر له الغطاء، أو يعطل مساءلته، أو يحول العدالة إلى انتقائية لا تطال إلا الضعفاء.

فمن لا يحاسب من يعبثون بحقوق الناس ومقدرات الدولة، وهو قادر على محاسبتهم شريك في إدامة الظلم، ويتحمل نصيبه من المسؤولية.

العبثية ليس فقط أن تقتل إنساناً برصاصة أو تطعنه بسكين؛ العبثية أيضاً أن تقتل مستقبله بالواسطة، وأن تغتال كرامته بالفساد، وأن تسلبه حقه بالمحسوبية، وأن تسرق أمله بالتمييز، وأن تحاصره بالفقر ثم تطالبه بالصبر والامتنان.

العبثة أن تجعل المواطن غريباً في وطنه، وأن يشعر الشاب أن مستقبله رهناً لأبناء النخب، وأن يدرك الفقير أن العدالة لا تعرف طريقاً إلى بابه، وأن يرى صاحب الحق أن الأبواب تفتح لغيره وتغلق في وجهه.

فالأوطان لا تهدد فقط بالتطرف، وانما أيضاً بمن ينهب مؤسساتها من الداخل، ويصادر فرص أبنائها، ويبدد ثرواتها، ويقتل الثقة بين الدولة ومواطنيها.

وليس أخطر على الأوطان من مسؤول يرفع شعار حمايتها، بينما يهدم بأفعاله أسباب الانتماء إليها.

فحين يسرق المال، وتغتال العدالة، وتصادر الفرص، وتورث المناصب، وتكمم الأفواه، لا يكون السؤال لماذا يغضب الناس؟ وإنما يصبح السؤال الأكثر إلحاحاً كم بقي في صدورهم من ثقة، قبل أن يتمكن الفساد في سرقة آخر ما يملكونه؟

إن أخطر ما يمكن أن يفعله الفساد بالوطن ليس أن ينهب ثرواته، وانما أن يجعل أبناءه يفقدون إيمانهم بأن الوطن يتسع لهم جميعاً، وأن العدالة فيه ليست امتيازاً لأصحاب النفوذ، وإنما حقاً متساوياً لكل مواطن.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions