وائل منسي يكتب: حادثة الكرك وتطورات الجنوب السوري.. حين تكون الحكمة مسؤولية وطنية

وائل منسي يكتب: حادثة الكرك وتطورات الجنوب السوري.. حين تكون الحكمة مسؤولية وطنية
نبأ الأردن -
لقد تركت حادثة الكرك في كنيسة حمود أثراً عميقاً في نفسي، كما تركت جرحاً غائراً في نفوس الأردنيين جميعاً. فمنذ وقوعها، غرقنا في سيل متواصل من الأخبار والمقاطع والصور المؤلمة التي أعادت المشهد بكل قسوته، حتى عجزت عن الكتابة أو تقديم تحليل يليق بحجم الفاجعة.
 أحياناً يكون الألم أكبر من أن يُختصر في كلمات، ويكون الصمت أصدق من أي تعليق، خصوصاً عندما تعجز اللغة عن ملامسة حجم الحزن الذي استقر في القلوب.
ثم جاء الإعلان عن إلقاء القبض على المتورطين، في استجابة أمنية سريعة وحاسمة، ليؤكد مجدداً أن وراء هذا الوطن رجالاً يسهرون على أمنه ويواجهون الخطر بثبات واقتدار. وحين تحضر الاحترافية الأمنية بهذا المستوى، فالأجدر بالجميع أن يضعوا أقلامهم جانباً، وأن يتركوا للمؤسسات المختصة أداء واجبها بعيداً عن المزايدات والتحليلات المتسرعة. فالأمن ليس مادة للجدل، والدماء ليست مجالاً للاستعراض، والعدالة لا تحتاج إلى ضجيج بقدر ما تحتاج إلى حكمة وثقة وصبر.
وفي ظل هذه الأجواء الثقيلة، جاءت ضربة سلاح الجو الأردني لأوكار الإرهابيين في الجنوب السوري، في درعا وما حولها، لتربك حسابات كثيرة وتفتح الباب أمام احتمالات سياسية وأمنية شديدة الحساسية. وبينما تتصاعد المخاوف من أن تتحول التطورات إلى فتنة أو خلاف بين دولتين جارتين تجمعهما الجغرافيا والتاريخ والمصالح المشتركة، لا يمكن تجاهل الأصابع الخارجية التي تحاول العبث بهذا الوتر، مستفيدة من جيوش إلكترونية وذباب رقمي يسعى إلى صب الزيت على النار، وتوسيع الشقاق، وتحويل كل حدث إلى وقود للصدام والكراهية.
إنني أخشى من أن تنزلق الأمور إلى ما لا يحمد عقباه، وأن يجد العقلاء أنفسهم أمام تداعيات صنعتها حسابات خفية وأججتها منصات التواصل. 
 ومع ذلك، فإن ثقتي بحكمة القيادتين الأردنية والسورية، وبقدرتهما على تغليب لغة العقل وضبط الانفعالات، تبقى أكبر من كل حملات التحريض والتضليل.
 فالمنطقة أنهكتها الحروب، وشعوبها دفعت ثمناً باهظاً من دمائها وأمنها ومستقبلها، ولم يعد من حق أحد أن يغامر بمصيرها خدمةً لأجندات عابرة أو مصالح خارجية.
رحم الله ضحايا حادثة الكرك، وحمى الأردن وأهله من كل شر، وحفظ سورية وشعبها من الفتن، وألهم أصحاب القرار الحكمة والبصيرة، وجنّب البلدين الشقيقين كل ما يهدد أمنهما واستقرارهما. ففي زمن الألم والاضطراب، تظل الكلمة مسؤولية، والصمت أحياناً موقفاً، والحكمة واجباً وطنياً لا يحتمل التأجيل.

تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions