عمر الدريني يكتب: حين يصبح الصمت رسالة… أو نتوهّم أنه رسالة

عمر الدريني يكتب: حين يصبح الصمت رسالة… أو نتوهّم أنه رسالة
نبأ الأردن -
أرسل رسالة إلى صديق، ثم ينتظر الرد، تمر ساعة، وربما يوم، فيبدأ العقل بملء الفراغ: هل قرأها؟ هل انزعج من كلمة كتبتها؟ هل تغيّر شيء بيننا؟ ثم يستعيد المرسل محادثات قديمة، ويفتش في عباراته، ويعيد قراءة ما أرسله بحثًا عن خطأ لم ينتبه إليه، وفي غياب جواب واضح، تتحول احتمالات كثيرة إلى قصة واحدة تبدو مقنعة، مع أنها قد لا تكون صحيحة أصلًا.

هذا أحد وجوه العلاقات في زمن الاتصال الدائم: لم يعد الصمت مجرد غياب للكلام، بل أصبح مساحة نحمّلها المعاني، حين نرى أن الرسالة وصلت أو قُرئت، نتوقع أن يأتي الرد سريعًا، كأن المعرفة بوصولها تعني أن الطرف الآخر قادر على الإجابة في اللحظة نفسها، لكن الإنسان قد يقرأ وهو منشغل، أو يؤجل الرد حتى يستطيع التركيز، أو لا يعرف كيف يجيب، أو يمر بظرف لا يرغب في شرحه، التقنية تكشف بعض مراحل التواصل، لكنها لا تكشف الظروف المحيطة بها.

المشكلة لا تبدأ من الشعور بالقلق؛ فمن الطبيعي أن نتأثر حين يتأخر شخص مهم في الرد، تبدأ حين نعامل القلق بوصفه دليلًا، ونبني عليه حكمًا نهائيًا، قد نقول لأنفسنا إن الصديق يتعمد التجاهل، ثم نتصرف على أساس هذا الاستنتاج: نتوقف عن المبادرة، أو نرد ببرود، أو ننشر عبارة مبطنة يقصد بها الطرف الآخر، وهكذا يمكن أن يتحول احتمال لم نتأكد منه إلى سبب حقيقي لابتعادنا، ثم نستخدم الابتعاد نفسه دليلًا على أن شكوكنا كانت صحيحة.

ومع ذلك، ليس كل صمت بريئًا، ولا كل تأخير مجرد انشغال، هناك من يستخدم التجاهل وسيلة للعقاب، أو يترك الآخر في حالة انتظار متعمدة حتى يشعر بالضعف، أو يعود إلى التواصل حين يريد شيئًا ثم يختفي عندما ينتهي غرضه، ومن الظلم أن نطلب من الطرف المتأذي تبرير هذا السلوك إلى الأبد. لكن التمييز بين التأخير العابر والتجاهل المقصود يحتاج إلى النظر في السياق والتكرار وطبيعة العلاقة، لا إلى الاعتماد على علامة واحدة في تطبيق.

وقد تختلف توقعات الناس من دون أن ينتبهوا إلى ذلك، هناك من يرى الرد السريع دليل احترام، وهناك من لا يعدّ التأخر مشكلة ما دام الرد يأتي في وقته المناسب، وهناك من يحب التواصل المتكرر، وآخر يحتاج إلى مساحات طويلة من الهدوء، إذا لم نتحدث عن هذه الفروق، فقد يفسر أحدنا ما يراه إهمالًا على أنه استقلال طبيعي، بينما يفسر الآخر كثرة الرسائل على أنها ضغط. ليست كل خلافات التواصل خلافات في المحبة؛ بعضها خلافات في العادات والحدود.

لهذا يكون السؤال المباشر أحيانًا أفضل من ألف استنتاج، يمكن أن نقول لصديقنا إن تأخر التواصل يقلقنا، أو نسأله إن كان الوقت مناسبًا للحديث، من دون اتهام أو مطالبة بتبرير كل غياب، وإذا كان هناك أمر محدد أزعجنا، فالأفضل أن نذكره بوضوح بدل أن نحوله إلى اختبار صامت، فالحديث الصريح لا يضمن اتفاق الطرفين، لكنه يمنحهما فرصة لفهم ما حدث، ويمنع سوء الظن من أن يصبح صاحب القرار في العلاقة.

ومن الضروري أيضًا أن نترك للآخر حقه في ألا يكون متاحًا طوال الوقت، فالصداقة لا تعني إلغاء الخصوصية، ولا أن يتحول الهاتف إلى جهاز يثبت صاحبه من خلاله أنه حاضر، قد نحب شخصًا ونحتاج إلى تأجيل الحديث معه، وقد نكون غير قادرين على الرد من دون أن يعني ذلك أننا نرفضه، الاحترام المتبادل يشمل حقنا في طلب الاهتمام، وحق الآخر في تحديد الوقت الذي يستطيع فيه تقديمه.

أما إذا تكرر الصمت في مواقف مهمة، وجرى تجاهل محاولات الحوار، وأصبحت العلاقة قائمة على انتظار طرف ومبادرة طرف آخر، فمن حقنا أن نعيد النظر فيها. ليس كل غياب يستدعي القطيعة، لكن ليس مطلوبًا منا أن نحمل العلاقة وحدنا، النضج أن نمنح مساحة للتفسير، ثم ننظر إلى الأفعال حين تتضح الصورة، بدل أن نبرر كل شيء أو ندين كل شيء.

الصمت لا يتكلم بلغة واحدة، أحيانًا يكون انشغالًا، وأحيانًا حاجة إلى مساحة، وأحيانًا علامة على فتور، وقد يكون رسالة مقصودة بالفعل، لكننا لا نعرف معناه بمجرد النظر إلى شاشة الهاتف، نعرفه حين نجمع بين السياق والسلوك والحوار، ونمنح أنفسنا شجاعة السؤال بدل راحة الاستنتاج، فالعلاقة لا تنهار دائمًا بسبب ما يقوله الناس؛ قد تنهكها أيضًا المعاني التي ننسبها إلى ما لم يقولوه، ثم نتصرف كأننا سمعناها يقينًا.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions