نيڨين العياصرة تكتب : لله درّ المواطن الأردني الذي يستلم 400 دينار ويُعيل فردًا واحدًا!

نيڨين العياصرة تكتب : لله درّ المواطن الأردني الذي يستلم 400 دينار ويُعيل فردًا واحدًا!
نبأ الأردن -
عملتُ ذات يوم في القطاع الحكومي براتب 400 دينار وكان هذا المبلغ يشكّل دخلي الشهري الذي أعتمد عليه في تأمين متطلبات حياتي، عشت التجربة وحاولت أن أوزع الراتب على احتياجاتي الأساسية وكنت أجد نفسي أمام حسابات تتجاوز قدرة هذا الدخل، يومها بدأت أتساءل: كيف يستطيع المواطن الأردني أن يعيل أكثر من فرد بهذا المبلغ المتدني؟ كيف يدير منزلًا ويوفّر التعليم ويؤمّن الطعام ويتحمّل تكاليف المواصلات والسيارة والفواتير؟ ثم يستقبل شهرًا جديدًا بالراتب نفسه والالتزامات ذاتها؟

كان السؤال بالنسبة إليّ أكبر من قيمة الراتب، فقد كنت أرى في الأربعمئة دينار حكاية اجتماعية واقتصادية تستحق التوقف عندها، تجربتي الشخصية جعلتني أفكر في الأسر الأردنية التي تعتمد على دخل محدود وفي الآباء الذين يحملون مسؤولية أبنائهم وفي الأمهات اللواتي يحاولن تدبير احتياجات المنزل وفي الموظفين الذين يقضون أيامهم في العمل، ثم يعودون إلى بيوتهم ليبدأوا رحلة أخرى مع حسابات المعيشة.

لله درّ المواطن الأردني الذي يتقاضى 400 دينار ويحاول أن يجعل من هذا المبلغ حياة كاملة! إنه بحاجة إلى عقل محاسب لتوزيع النفقات وصبر طويل لمواجهة الالتزامات وقدرة مستمرة على ترتيب الأولويات، يبدأ الشهر بأمل أن تكفيه موارده، ثم تتوالى المصاريف من السكن إلى الطعام ومن الكهرباء والمياه إلى المواصلات ومن احتياجات الأسرة إلى العلاج والتعليم والملابس، وبين هذه المتطلبات يحاول أن يحتفظ بشيء من الاستقرار والطمأنينة.

حين كنت أتقاضى هذا الراتب كنت أتساءل عن حال المواطن الذي يعيل زوجة وأطفالًا وعن قدرته على توفير حياة كريمة لهم، فالمسألة تبدأ من المنزل الذي يحتاج إلى إيجار أو صيانة وتمتد إلى الطعام الذي يحتاجه أفراد الأسرة يوميًا ثم إلى التعليم الذي يشكل مستقبل الأبناء، والمواصلات التي تتيح للأب الوصول إلى عمله وللأبناء الوصول إلى مدارسهم وجامعاتهم، وكل بند من هذه البنود يحمل تكاليفه فيما يبقى الراتب محدودًا أمام اتساع الاحتياجات.

وقد يملك أحدهم منزلًا يخفف عنه عبء الإيجار بينما يتحمل آخر جزءًا كبيرًا من دخله مقابل السكن، وقد يعيش موظف قريبًا من مكان عمله في حين يضطر زميله إلى استخدام السيارة أو وسائل النقل يوميًا، وتختلف ظروف الأسر بحسب عدد أفرادها والتزاماتها، لكن الدخل المحدود يظل عاملًا مؤثرًا في قدرة الأسرة على تلبية احتياجاتها خصوصًا حين يكون المصدر المالي الوحيد.

أما الطعام فهو حاجة يومية تتكرر طوال الشهروتحتاج الأسرة إلى توفير غذاء مناسب لأفرادها، والتعليم مسؤولية تتجاوز الرسوم والمستلزمات المدرسية إلى المواصلات والملابس والاحتياجات المتنوعة، والعلاج قد يأتي في أي وقت حاملًا معه مصاريف إضافية تحتاج إلى تدبير سريع، وهكذا يجد صاحب الراتب المحدود نفسه أمام مجموعة من الالتزامات الأساسية التي تتنافس على المبلغ نفسه فيما تتجدد احتياجات الحياة مع كل يوم جديد.

وحين تتجاوز المصاريف قدرة الدخل يبدأ المواطن بإعادة ترتيب حياته وفق الإمكانات المتاحة، قد يؤجل شراء الملابس أو يستغني عن بعض الأنشطة الترفيهية أو يختار السلع الأقل سعرًا أو يقلل من بعض النفقات التي تمنح الأسرة شيئًا من الراحة، وقد يخصص احتياجاته الشخصية في آخر القائمة مقدمًا متطلبات أبنائه وأسرته على ما يحتاج إليه هو، هذه التفاصيل اليومية تكشف حجم الجهد الذي يبذله أصحاب الدخول المحدودة للحفاظ على استقرار منازلهم.

لكن إدارة المصروف لها حدود فالإنسان يستطيع أن يختصر بعض النفقات ويقارن الأسعارويحسن التخطيط فيما تبقى حاجته إلى الطعام والسكن والعلاج والمواصلات قائمة، كما أن الحياة تحمل ظروفًا مفاجئة مثل مرض أحد أفراد الأسرة أو تعطل السيارة أو الحاجة إلى إصلاح المنزل أو مصروف مدرسي إضافي، وفي هذه اللحظات قد يجد المواطن نفسه مضطرًا إلى الاستدانة أو طلب المساعدة أو تأجيل التزام آخر.

وتصبح الاستدانة أكثر صعوبة حين تتكرر إذ يدخل المواطن شهره الجديد محمّلًا بجزء من التزامات الشهر السابق ويضطر إلى اقتطاع مبلغ من راتبه لتسديد ما اقترضه ومع تتابع الظروف قد تتراكم الديون ويضيق المجال أمام الادخار والتخطيط للمستقبل، وهنا تتجاوز القضية مجرد إدارة المصاريف لتصل إلى قدرة الإنسان على بناء حياة مستقرة ومواجهة الطوارئ، والشعور بالأمان المالي.

إنني أتحدث عن هذه القضية من تجربة شخصية عشتها ومن سؤال ظل يرافقني حين رأيت أن الراتب الذي أتقاضاه لم يكن كافيًا لتأمين أدنى متطلبات حياتي، ومن الطبيعي أن تختلف احتياجات الناس وظروفهم، لكن تجربة كهذه تفتح بابًا للتفكير في آلاف الأسر التي تعتمد على رواتب محدودة وفي الموظف الذي يعمل طوال الشهر وينتظر راتبه ليبدأ توزيع الالتزامات من جديد.

العمل يفترض أن يمنح الإنسان موردًا يساعده على الاعتماد على نفسه، ويتيح له تلبية احتياجاته الأساسية، ويمنحه فرصة للتقدم وتحسين ظروفه، وعندما تكون القدرة الشرائية للراتب محدودة يصبح الاستقرار المالي تحديًا يوميًا ويتراجع المجال المتاح للادخار أو تطوير المهارات أو التخطيط لشراء منزل أو تأسيس أسرة، وقد يجد الشاب نفسه يؤجل خطوات مهمة في حياته فيما يواصل الموظف مسؤولياته ويبحث عن وسائل إضافية لتحسين دخله.

وهنا تبرز أهمية النظر إلى الأجور من زاوية الحياة اليومية للمواطن، فقيمة الراتب الحقيقية تظهر في قدرته على شراء الاحتياجات الأساسية وتغطية الالتزامات الضرورية وتوفير مساحة لمواجهة الظروف الطارئة، ومن المهم أن تتناول النقاشات الاقتصادية أثر الأجور والأسعار وتكاليف الخدمات على الأسر وأن تستمع إلى تجارب العاملين أنفسهم، فهم الأقدر على وصف ما يواجهونه من تحديات في تدبير حياتهم.

كما أن تحسين مستوى المعيشة يرتبط بمجموعة من السياسات المتكاملة، تشمل فرص العمل المستقرة وتطوير الخدمات العامة وتحسين النقل وتوفير تعليم ورعاية صحية بجودة مناسبة ودراسة أثر تكاليف المعيشة على أصحاب الدخول المحدودة، فكل تحسن في هذه المجالات يخفف جزءًا من الأعباء اليومية ويمنح الأسرة قدرة أكبر على توجيه دخلها نحو احتياجاتها المختلفة.

وتحتاج قضية الأجور كذلك إلى فهم الفروق بين ظروف المواطنين، فالموظف الذي يعيل نفسه يختلف عن الأب الذي يعيل أربعة أطفال والأسرة التي تمتلك منزلًا تختلف عن الأسرة التي تدفع الإيجار ومن تتوفر له وسيلة نقل مناسبة تختلف ظروفه عن شخص يقطع مسافات طويلة للوصول إلى عمله، لذلك فإن دراسة هذه القضية تحتاج إلى بيانات واضحة عن تكاليف المعيشة واحتياجات الأسر بما يساعد على بناء حلول واقعية تراعي اختلاف الظروف والمسؤوليات.

والمواطن الأردني الذي يتقاضى راتبًا محدودًا يستحق أن تكون تجربته حاضرة في النقاش العام، يستحق أن نتحدث عن قدرته على تأمين احتياجات أسرته وعن فرص أبنائه في التعليم وعن قدرته على مواجهة المرض والظروف الطارئة وعن حقه في الحصول على قدر من الراحة والاستقرار بعد ساعات العمل، فالحياة الكريمة تتشكل من تفاصيل كثيرة تشمل الغذاء والسكن والصحة والتعليم، وتمتد إلى القدرة على المشاركة في الحياة الاجتماعية والتخطيط للمستقبل.

لقد اعتاد كثير من المواطنين أن يتعاملوا مع محدودية الدخل بوسائل مختلفة مستندين إلى التعاون الأسري ومساعدة الأقارب والعمل الإضافي، وإعادة ترتيب المصاريف، وهذه الجهود تعكس قدرتهم على تحمل المسؤولية، لكنها تستحق أيضًا أن تقابل بسياسات تساعد على تخفيف الأعباء وتحسين فرص الاستقرار، فالتقدير الحقيقي للمواطن يبدأ من فهم ظروفه، والاعتراف بحجم مسؤولياته والعمل على توفير فرص أفضل له ولأسرته.

لله درّ المواطن الأردني الذي يستلم 400 دينار ويحاول أن يعيل فردًا واحدًا، فكيف بمن يعيل أسرة كاملة؟ أقولها وأنا أتذكر تجربتي مع هذا الراتب، حين وجدت أن تأمين أدنى متطلبات الحياة يحتاج إلى حسابات مستمرة وجهد إضافي، كانت تجربتي كافية لتجعلني أفكر في الأسر التي تعيش على المبلغ نفسه وفي الآباء الذين يحاولون توفير احتياجات أبنائهم وفي الموظفين الذين يواصلون العمل ويؤدون مسؤولياتهم رغم الضغوط اليومية.

إن المواطن الأردني يستحق أن يتحول الحديث عن معاناته إلى اهتمام عملي ينعكس على حياته، يستحق دخلًا ينسجم مع متطلبات المعيشة وخدمات تخفف أعباء  الحياة وفرصًا تمنحه القدرة على بناء مستقبل أكثر استقرارًا، فالاقتصاد في نهاية المطاف يُقاس أيضًا بما يشعر به الناس في منازلهم، وبما يستطيعون توفيره لأبنائهم وبقدرتهم على مواجهة الأيام القادمة بثقة وطمأنينة.

من هنا، يبقى السؤال الذي بدأت به تجربتي حاضرًا: كيف يستطيع المواطن أن يدير منزلًا ويؤمّن التعليم والطعام والمواصلات والعلاج براتب 400 دينار؟ إنه سؤال يستحق أن يسمعه كل من يهتم بالشأن الاقتصادي والاجتماعي وأن يكون مدخلًا لنقاش جاد حول الأجور وتكاليف الحياة وكرامة الإنسان.

لله درّ هذا المواطن الذي يصنع من القليل الكثير، ويحاول أن يحفظ لأسرته استقرارها وكرامتها، إنه يستحق أكثر من الإشادة بصبره وقدرته على الاحتمال، يستحق أن يجد في عمله طريقًا إلى حياة كريمة وأن يكون راتبه أساسًا للاستقرار وأن تتاح له فرصة للادخار والتخطيط للمستقبل. فكرامة المواطن تبدأ حين يستطيع أن يؤمّن ضروريات حياته، ويعيش بطمأنينة ويرى أثر جهده في يومه ومستقبل أسرته.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions