عمر الدريني يكتب: اليوم العالمي للغذاء ماذا سنترك لأبنائنا: مائدة آمنة أم فاتورة مؤجلة؟

عمر الدريني يكتب:  اليوم العالمي للغذاء ماذا سنترك لأبنائنا: مائدة آمنة أم فاتورة مؤجلة؟
نبأ الأردن -
لا تُقاس مسؤوليتنا تجاه الأجيال القادمة بما نتركه لهم من مبانٍ ومشروعات فقط، بل أيضًا بحالة الأرض والمياه والموارد التي سيحتاجون إليها كي يحصلوا على غذائهم، فالمائدة التي تبدو ممتلئة اليوم قد تخفي وراءها استنزافًا لا يظهر أثره فورًا، لكنه قد يفرض كلفته على من يأتي بعدنا، ومن هنا يصبح الأمن الغذائي سؤالًا عن الحاضر والمستقبل معًا.

في السادس عشر من تشرين الأول، يتيح اليوم العالمي للغذاء فرصة للتفكير في معنى الغذاء المستدام: كيف ننتج طعامًا آمنًا ومناسبًا، ونحافظ في الوقت نفسه على الموارد الطبيعية، ونضمن أن تبقى المنظومة قادرة على الاستمرار؟ لا توجد إجابة واحدة تصلح لكل مكان، لكن هناك مبادئ واضحة، من بينها الاستخدام الرشيد للمياه، وتقليل الفاقد والهدر، وتحسين كفاءة الإنتاج، ودعم المعرفة الزراعية، وتوسيع فرص الوصول العادل إلى الغذاء.

تواجه الزراعة تحديات متزايدة بسبب التغيرات المناخية وتقلبات الأسواق وارتفاع كلف بعض المدخلات، وفي البلدان محدودة الموارد المائية، تزداد أهمية التخطيط الذي يوازن بين احتياجات الإنتاج وقدرة البيئة على التحمل، فالإنتاج الذي يستنزف الموارد بصورة لا يمكن استمرارها قد يحقق منفعة قصيرة الأجل، لكنه يترك مشكلات أكبر في المستقبل.

ولا يعني الاستدامة مطالبة الناس بالتخلي عن احتياجاتهم أو تحميل الأسر مسؤولية أزمات تتجاوز قدرتها، فالغذاء المستدام يجب أن يكون متاحًا وبأسعار يمكن تحملها، وأن يحترم سلامة المستهلك وحقوق العاملين في سلسلة الإنتاج، كما أن التحول إلى ممارسات أكثر كفاءة يحتاج إلى دعم وتدريب واستثمار، حتى لا تتحول كلف التغيير إلى عبء على صغار المزارعين والمنتجين.

ويبدأ جانب من الحل من إدارة الموارد بصورة أفضل، فرفع كفاءة الري، وتحسين التخزين، والحد من خسائر النقل، وتطوير أساليب تعبئة مناسبة، كلها إجراءات يمكن أن تقلل الضغط على الموارد. كذلك فإن خفض هدر الطعام يحد من إضاعة ما استُخدم لإنتاجه من ماء وطاقة وأرض وعمل، وهذه خطوات لا تحتاج إلى انتظار اختراع واحد يغيّر العالم؛ بل إلى قرارات متتابعة يمكن قياس أثرها وتطويرها.

ويحتاج المستقبل أيضًا إلى مؤسسات تتعاون بدل أن تعمل في مسارات منفصلة، فالسياسات المائية والزراعية والاقتصادية والاجتماعية تؤثر بعضها في بعض، ويجب أن تُبنى على بيانات موثوقة وتقييم دوري للنتائج، كما أن إشراك المزارعين والباحثين والمستهلكين في تصميم الحلول يجعلها أكثر واقعية وقابلية للاستمرار.

أما على مستوى الأسرة، فإن التخطيط للمشتريات، وحفظ الطعام بطريقة آمنة، وتقليل الكميات المهدورة، وتعليم الأطفال احترام الغذاء، ممارسات صغيرة لكنها ذات معنى حين تصبح ثقافة عامة، ولا ينبغي أن تتحول هذه الدعوات إلى لوم للأسر التي تعاني ضيق الدخل؛ فالاستدامة الحقيقية تجمع بين المسؤولية الفردية والعدالة في السياسات والفرص.

في اليوم العالمي للغذاء، لا يكفي أن نسأل إن كانت موائدنا ممتلئة الآن؛ علينا أن نسأل أيضًا إن كانت الموارد ستبقى قادرة على إطعام أبنائنا غدًا، فالمستقبل الآمن لا يُورَّث بالكلمات، بل بالقرارات التي تحمي الأرض والماء، وتقلل الهدر، وتجعل الغذاء حقًا يمكن الوصول إليه بكرامة.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions