مجد حسونة يكتب: يتفاهمون مع أمريكا ويعتدون على أرض الحرمين

مجد حسونة يكتب:  يتفاهمون مع أمريكا ويعتدون على أرض الحرمين
نبأ الأردن -
لم أستطع أن أمر على مشهد المعتمرين بلباس الإحرام وسط آثار القصف في مطار الملك خالد باعتباره خبرا آخر من أخبار المنطقة. هؤلاء خرجوا من بيوتهم للعبادة والسفر، ولم يذهبوا إلى الحرب. ومع سقوط قتلى وجرحى، يصبح البحث عن أعذار للمعتدي إساءة إضافية للضحايا وأهلهم.

ما حدث يتجاوز ترويع المسافرين أو تعطيل الرحلات. هناك أناس فقدوا حياتهم، وآخرون أصيبوا، وعائلات تنتظر خبرا عن أحبائها. لا يجوز دفن هذه الحقيقة تحت نقاش طويل عن المحاور والتوازنات. أول ما ينبغي قوله هو أن هذا اعتداء على مدنيين، وأن المسؤول عنه يستحق الإدانة والمحاسبة.

والاعتداءات لم تقتصر على مطار الرياض. فقد أعلن التحالف اعتراض مسيرة قبل دخولها المجال الجوي المحظور لمكة المكرمة، واستهداف محطة كهرباء في المدينة المنورة، واعتراض صواريخ ومسيرات باتجاه مدن سعودية أخرى. حتى الهجمات التي أحبطتها الدفاعات الجوية يجب ألا نستهين بها؛ فاعتراض السلاح لا يلغي مسؤولية من أطلقه، وإنما يمنع وقوع كارثة كان سيحاسب عليها.

وسط ذلك كله، يواصل الحوثيون ترديد «الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل». لكن هذه الشعارات تستحق أن تقارن بما يجري فعلا. الجماعة تفاوضت مع الأمريكيين بوساطة عمانية، وتعهدت بعدم استهداف سفنهم، ثم أعلن متحدثها العسكري أن الملاحة في باب المندب آمنة للجميع باستثناء السفن السعودية.

هذه نقطة لا ينبغي تجاوزها. من يعلن العداء لأمريكا على المنابر يجد مجالا للتفاهم معها وحماية سفنها من استهدافه، بينما يستثني السفن السعودية من ضمانات الملاحة. ثم يأتي من يطلب منا تصديق أن كل ما تفعله الجماعة يدخل في باب مقاومة أمريكا وإسرائيل.

لا أعترض على التفاوض باعتباره وسيلة لوقف الحرب وحماية الناس. أعترض على استخدام خطاب مختلف أمام الجمهور: تعبئة الشعوب بشعار العداء المطلق، ثم عقد التفاهمات حين تخدم مصلحة الجماعة، مع استمرار الاعتداء على العرب. من حق الناس أن يعرفوا لماذا تكون التسوية ممكنة مع واشنطن، بينما يبقى أمن السعودية وملاحتها تحت التهديد.

في هذا الاستخدام، تصبح الشعارات وسيلة للضحك على الشعوب العربية واستثمار غضبها. يعرف الحوثيون حجم الغضب من جرائم إسرائيل، فيستخدمونه لبناء التأييد، ثم يحاول المدافعون عنهم تحويل هذا التأييد إلى حصانة من النقد. يكفي أن تسأل عن ضحايا اعتداءاتهم حتى يتهمك بعضهم بأنك تقف مع أمريكا أو تتخلى عن فلسطين.

وأرفض هذا الابتزاز. دفاعي عن فلسطين لا يلزمني بتبرير قصف مطار سعودي، وإدانتي للحوثيين لا تنتقص من موقفي تجاه الاحتلال. لا تملك جماعة مسلحة حق توزيع شهادات الوطنية على العرب، ولا حق احتكار الحديث باسم القضية الفلسطينية.

كما لا أرى أن المشروع الحوثي يمكن فهمه بعيدا عن إيران. الدعم العسكري والسياسي والارتباط بمحور طهران يجعلان الجماعة إحدى أدوات نفوذها في المنطقة. وفي تقديري، بات هذا الارتباط تبعية سياسية وعسكرية تضع حسابات المحور فوق مصلحة اليمن واستقرار جواره.

ويحمل هذا المشروع، في قراءتي، طابعا طائفيا واضحا. فهو يستخدم الدين والهوية المذهبية لتثبيت سلطة الجماعة، ويقدم خياراتها السياسية والعسكرية كأنها مواقف دينية لا يجوز الاعتراض عليها. عندها يصعب على الأنصار الفصل بين الإيمان وبين الولاء للقيادة، ويصبح نقد قرار عسكري وكأنه طعن في العقيدة.

المقصود هنا قيادة الحوثيين ومشروعهم، لا أتباع مذهب كامل. تحميل الناس مسؤولية جماعة لمجرد انتمائهم المذهبي ظلم، ويكرر المنطق الطائفي نفسه الذي نرفضه. المسؤولية تقع على من يأمر بالاعتداء وينفذه ويمنحه غطاء.

أما موقفي من الدفاع عن السعودية فهو واضح: أراه واجبا على كل مسلم في مواجهة هذا العدوان. إنها بلاد التوحيد وأرض الحرمين الشريفين، وفيها قبلة المسلمين والمسجد النبوي، وإليها يقصد الملايين للحج والعمرة والزيارة. حماية أهلها والمقيمين فيها وضيوفها، وصون أمن مقدساتها، تستحق تضامنا صريحا.

وأقل هذا الواجب أن ندين المعتدي باسمه، وألا نبحث له عن مبررات، وأن نقف مع المملكة في حماية أمنها ومدنييها. مكانة مكة والمدينة لا تسمح بالتعامل مع تهديدهما كأنه تفصيل في صراع إقليمي، وأرواح الناس لا يجوز أن تتحول إلى وسيلة ضغط.

ومشهد الإحرام وسط آثار القصف يبقى أمامنا. أي خطاب عن نصرة الإسلام يستطيع أن يفسر تعريض هؤلاء للخطر؟ وما الذي يمكن قوله لأهل من قتلوا أو أصيبوا؟ لا أجد في الشعارات المتكررة جوابا، وأعتقد أن من يبرر الاعتداء يتجنب النظر إلى الضحايا لأن وجودهم يهدم روايته.

وفلسطين لا تحتاج إلى هذا التبرير. عدالة قضيتها ثابتة، ولا تمنح أحدا ترخيصا للاعتداء على مدنيين في بلد آخر. وحتى مواجهة إسرائيل لا تمحو مسؤولية أي جماعة عن أفعالها الأخرى. من يطالب بحماية أهل غزة يجب أن يحترم الحق نفسه في الرياض وصنعاء وكل مكان.

والشعب اليمني يستحق بدوره أن يعيش بأمان وأن يستعيد مستقبله. لا يجوز اختزاله في الحوثيين أو تحميله مسؤولية قراراتهم. الوقوف مع السعودية في مواجهة الاعتداء ينسجم مع الوقوف مع اليمنيين في حقهم بوطن لا تختطفه الجماعات المسلحة ولا تستنزفه حسابات النفوذ.

أكتب هذا لأنني أرى أن التساهل مع التناقض يمنح المعتدي فرصة للاستمرار. لا يكفي أن يهتف ضد أمريكا حتى نغفر له ما يفعله بالعرب، ولا أن يرفع اسم فلسطين حتى نصمت عن الضحايا.

لقد تفاهموا على عدم استهداف السفن الأمريكية، واستثنوا السفن السعودية من ضمانات الملاحة، وسقط المدنيون قتلى وجرحى في اعتداءاتهم على المملكة. هذه وقائع ينبغي أن يتذكرها كل من يدافع عن خطابهم.

أما أنا، فلا أقبل أن يكون دم الأبرياء في أرض الحرمين ثمنا للحفاظ على صورة جماعة أو مصداقية شعار.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions