د سامر عبد الهادي يكتب: إنقاذ قدم مصطفى عوف بدأ من البحر، واكتمل بتكامل جهود الإنقاذ والإسعاف والجراحة

د سامر عبد الهادي يكتب: إنقاذ قدم مصطفى عوف بدأ من البحر، واكتمل بتكامل جهود الإنقاذ والإسعاف والجراحة
نبأ الأردن -

رئيس هيئة مديري مستشفى عبد الهادي

 

لم تكن قصة الشاب المصري مصطفى عوف مجرد حالة طبية استقبلناها في مستشفى عبد الهادي، ولم يكن نجاح التعامل معها مرتبطًا بما جرى داخل غرفة العمليات وحدها، إنها قصة إنسانية موجعة، بدأت بحادث بحري في خليج العقبة، ومرت بساعات صعبة من الإنقاذ والبحث والنقل، وانتهت بعملية جراحية دقيقة استمرت أكثر من إحدى عشرة ساعة، في محاولة لإعادة ساقه المبتورة ومنحه فرصة جديدة لاستعادة حياته الطبيعية.

حين نتحدث عن هذه الحالة، فإننا لا نتحدث عن جراحة معقدة فحسب، بل عن منظومة متكاملة من الجهود والخبرات، وعن أشخاص أدركوا منذ اللحظة الأولى أن كل دقيقة قد تصنع فارقًا في حياة إنسان.

صرخة في البحر… وبداية رحلة الإنقاذ:

كان مصطفى عوف، الشاب المصري البالغ من العمر 39 عامًا، ويعمل في الأردن منذ سنوات طويلة، يسبح في مياه خليج العقبة حين تعرض لحادث قارب أدى إلى بتر ساقه، في تلك اللحظات القاسية، كان التحدي الأول إنقاذ حياته والتعامل مع إصاباته ونزفه، لكن مصطفى كان يصر، رغم ألمه، على ألا تُترك ساقه في البحر.

هذه التفاصيل الإنسانية تختصر حجم الصدمة التي عاشها المصاب، كما تكشف عن أهمية الدور الذي قامت به كوادر الدفاع المدني والغطاسون، الذين استجابوا للحادث وبحثوا عن الطرف المبتور حتى تمكنوا من انتشاله، خلال ساعتين من البحث، واجهوا خلالها ظروفًا ميدانية صعبة، ولكن جهودهم أثمرت عن إتاحة الفرصة أمام الفريق الطبي إعادة زراعة الساق.

وأود هنا أن أؤكد أن تقديرنا لهذه الجهود ليس مجاملة لأحد، بل اعتراف بحق كل من شارك في الإنقاذ، فالجراح لا يبدأ عمله من نقطة الصفر، هناك جهود تسبقه، وقد تكون نتائج العملية مرتبطة إلى حد كبير بما أُنجز قبل وصول المريض إلى المستشفى.

من المستشفى الإسلامي في العقبة إلى عمّان:

بعد انتشال مصطفى، نُقل إلى المستشفى الإسلامي في العقبة، حيث تلقى الإسعافات الأولية، وجرت معالجة الطرف المبتور وحفظه وفق الإجراءات الطبية اللازمة، تمهيدًا لنقله إلى عمّان.

كانت الحالة تتطلب تدخلًا متخصصًا، نظرًا إلى طبيعة الإصابة وتعقيدها، وما تستلزمه من التعامل مع العظام والأوعية الدموية والأعصاب والعضلات والأنسجة.

منذ تلك المرحلة، أصبح التنسيق بين الجهات المعنية عاملًا مهمًا في التعامل مع الحالة، فالمطلوب لم يكن نقل المصاب وحده، بل وصوله والطرف المبتور إلى الفريق القادر على تقييم إمكانية إجراء الجراحة، مع اتخاذ ما يلزم للمحافظة على فرص نجاحها، وأثبتت هذه التجربة أن نجاح المنظومة الصحية لا يعتمد على مؤسسة واحدة، بل على قدرة المؤسسات والكوادر على التعاون، وتبادل المعلومات، واتخاذ القرارات المناسبة في الوقت المناسب.

إحدى عشرة ساعة في غرفة العمليات:

عندما وصل مصطفى إلى مستشفى عبد الهادي، كان أمام الفريق الطبي تحدٍّ جراحي بالغ التعقيد، لقد كنا ندرك أن إعادة زراعة طرف مبتور ليست مجرد إعادة الجزء المفقود إلى موضعه، بل عملية دقيقة تتطلب تقييم حالة الأنسجة، وتثبيت العظام، والتعامل مع الأوعية الدموية والأعصاب والعضلات، والعمل على استعادة تدفق الدم إلى الطرف، وفق ما تسمح به طبيعة الإصابة.

شارك في التعامل الجراحي مع الحالة الدكتور مالك الغنيمات، استشاري جراحة العظام، والدكتور جان الشيشاني، استشاري جراحة الأوعية الدموية، والدكتور مهند جالوخ إلى جانب الكوادر الطبية والتمريضية والتخديرمن قبل الدكتور محمد صالح وغرف العمليات والرعاية اللاحقة.

استغرقت العملية، من الساعة الحادية عشرة ليلًا حتى العاشرة من صباح اليوم التالي، أي أكثر من إحدى عشرة ساعة من العمل المتواصل والدقيق، وخلال هذه الساعات، كان الهدف بذل كل ما تسمح به الإمكانات الطبية لإنقاذ الطرف، مع إدراك أن مثل هذه العمليات تحمل تحديات كبيرة، وأن نتائجها لا يمكن الحكم عليها بصورة نهائية بمجرد انتهاء الجراحة، إن ما تحقق كان ثمرة خبرة وتعاون وتركيز عالٍ من جميع المشاركين، وكل فرد في هذا الفريق أدى دورًا مهمًا في مسار العلاج.

وأؤكد أن نجاح العمليات المعقدة لا يُنسب إلى اسم واحد أو تخصص واحد، فالجراح يحتاج إلى فريق مؤهل، والفريق يحتاج إلى تجهيزات مناسبة، والجميع يحتاج إلى منظومة عمل واضحة تتيح التعامل مع الحالة بأعلى درجات المسؤولية.

لماذا تُعد إعادة زراعة الطرف عملية شديدة التعقيد؟

من المهم أن ندرك جميعاً أن إعادة زراعة ساق مبتورة تختلف عن كثير من العمليات الجراحية المعتادة، إذ لا يكفي تثبيت العظام أو إعادة الطرف إلى موضعه، بل يتطلب الأمر التعامل مع مجموعة من التراكيب الحيوية التي يؤدي كل منها وظيفة أساسية.

وتشمل التحديات استعادة التروية الدموية، والتعامل مع الأوعية والأعصاب والأنسجة المتضررة، ومراقبة حيوية الطرف بعد الجراحة، والانتباه إلى احتمالات المضاعفات، كما أن الوقت الذي ينقضي قبل استعادة تدفق الدم، وطبيعة الإصابة، وحالة الأنسجة، كلها عوامل تؤثر في فرص بقاء الطرف، وفي النتائج الوظيفية اللاحقة.

ولهذا السبب، فإن انتهاء العملية بنجاح تقني لا يعني بالضرورة أن المريض استعاد قدرته على الحركة أو المشي بصورة طبيعية، فهذه النتائج تحتاج إلى متابعة دقيقة، وقد تتطلب فترة من العلاج والتأهيل، وتختلف من حالة إلى أخرى.

في حالة مصطفى، كان لا بد من الاستمرار في مراقبته طبيًا وتقييم استجابته بصورة متتابعة، لأن الأولوية تتمثل في المحافظة على سلامته ومتابعة حالة الطرف والعمل على تحقيق أفضل نتيجة ممكنة.

النجاح لا يُقاس بلحظة واحدة:

عندما يتعرض إنسان لإصابة بهذه الشدة، فإن عودته إلى حياته الطبيعية لا تتحقق بمجرد تجاوزه غرفة العمليات، بل هناك مراحل متتابعة من العلاج والمتابعة، تبدأ بمراقبة استقرار الحالة وحيوية الطرف، ثم التعامل مع أي مضاعفات محتملة، وصولًا إلى التأهيل واستعادة الوظائف قدر الإمكان، ولهذا، فإننا نتعامل مع هذه الحالة بأمل ومسؤولية في آن واحد، نحن نقدر ما تحقق من خطوة جراحية مهمة، لكننا ندرك أيضًا أن الحكم على النتيجة النهائية يحتاج إلى وقت ومتابعة طبية متخصصة، ولذلك إن واجبنا تجاه مصطفى لا ينتهي بانتهاء العملية، بل يستمر من خلال الرعاية والمتابعة والعمل على توفير أفضل الفرص الممكنة لتعافيه.

وهذه في تقديري، إحدى أهم الرسائل التي ينبغي أن تصل إلى الجمهور: الإنجاز الطبي الحقيقي لا يقتصر على إجراء عملية صعبة، بل يشمل أيضًا الالتزام بمسؤولية الرعاية التي تليها.

الكفاءات الأردنية… خبرة تتكامل من أجل الإنسان:

أظهرت هذه الحالة ما يمكن أن تحققه الكفاءات الأردنية عندما تتكامل الخبرة الطبية مع الجاهزية الميدانية والتعاون بين المؤسسات، فمن غواصي الدفاع المدني في العقبة، إلى كوادر الإسعاف والمستشفى الإسلامي، وصولًا إلى الأطباء والجراحين والتمريض والتخدير في مستشفى عبد الهادي، شارك عدد كبير من الأشخاص في رحلة واحدة هدفها إنقاذ إنسان، كما أن جانبًا من خبرات أعضاء الفريق الطبي تراكم خلال سنوات من العمل في الخدمات الطبية الملكية وغيرها من مواقع الممارسة الطبية، وهي خبرات تستحق التقدير والاستثمار المستمر، ولا بد هنا من التأكيد أن قوة القطاع الصحي لا تقوم على الأطباء وحدهم، بل على جميع العاملين فيه، وعلى مستوى التدريب والتجهيزات والتنسيق والالتزام بالمعايير المهنية.

إن ما نطمح إليه هو أن تكون مثل هذه التجارب دافعًا لمزيد من التطوير، ولتعزيز البحث العلمي، وتوثيق الحالات المعقدة ونتائجها، وتبادل الخبرات بما ينعكس إيجابًا على جودة الرعاية الصحية.

أما الحديث عن ترتيب عالمي محدد لهذه العملية، فيحتاج إلى توثيق علمي مستقل ومراجعة دقيقة للحالات المنشورة، فالتقدير العلمي للإنجاز ينبغي أن يستند إلى معلومات قابلة للتحقق، وهو ما يعزز مصداقيته وقيمته.

البعد الإنساني يتجاوز حدود الجغرافيا:

كان مصطفى في تلك اللحظات إنسانًا يحتاج إلى الرعاية، قبل أن يكون عاملًا مصريًا أو مريضًا في مستشفى أردني، ولذلك كان البعد الإنساني حاضرًا في التعامل مع حالته، خصوصًا أنه وصل إلى المستشفى من دون وجود أفراد أسرته معه، ولهذا فرض علينا الواجب المهني والأخلاقي، أن نقدم للمريض ما نستطيع من رعاية واهتمام، وأن نحترم كرامته وحقه في العلاج، وأن نتعامل مع ظروفه الإنسانية باعتبارها جزءًا من مسؤوليتنا.

وهنا تتجلى قيمة العلاقة بين الأردن ومصر، ليس من خلال الكلمات وحدها، بل من خلال المواقف التي يلمس فيها الإنسان أن هناك من يقف إلى جانبه في أصعب اللحظات.

إننا نعتز أن تكون المؤسسات الصحية الأردنية مكانًا يجد فيه الأشقاء الرعاية والاهتمام، ونؤمن أن الرسالة الطبية بطبيعتها رسالة إنسانية لا تعرف الحدود.

مسؤوليتنا أن نبني على الإنجاز:

إن نجاح التعامل مع حالة مصطفى عوف يمنحنا فرصة للتأمل في أهمية تطوير القطاع الصحي الأردني، وتعزيز قدرات الكوادر، والاستمرار في الاستثمار في التدريب والتجهيزات والتخصصات الدقيقة، كما يسلط الضوء على إمكانات الأردن في مجال الرعاية الصحية والسياحة العلاجية، وهي مكانة تتعزز بجودة الخدمات، وثقة المرضى، والتوثيق العلمي، والنتائج الطبية التي يمكن متابعتها وتقييمها، لأن المحافظة على هذه المكانة تتطلب عملًا مستمرًا، فالإنجاز الواحد مصدر اعتزاز، أما بناء منظومة صحية قادرة على التعامل مع الحالات المعقدة بصورة متواصلة، فهو مسؤولية وطنية ومؤسسية دائمة، وأرى أن من واجبنا أن نمنح كل من أسهم في هذه الحالة حقه من التقدير، وأن نستفيد من التجربة في تعزيز التنسيق بين مؤسسات الإنقاذ والمستشفيات، وأن نوثق ما تعلمناه منها طبيًا ومهنيًا.

من قاع البحر إلى غرفة العمليات… الأمل مسؤولية:

حين أتأمل قصة مصطفى عوف، أتذكر أن وراء كل حالة طبية إنسانًا له أسرة وأحلام ومستقبل، وأن المسؤولية التي نحملها لا تتوقف عند حدود الإجراء الجراحي، لقد بدأت الحكاية بحادث قاسٍ في مياه العقبة، ومرت بجهود غواصين ومسعفين وأطباء، ووصلت إلى غرفة عمليات شهدت ساعات طويلة من العمل الدقيق، وما تحقق يستحق التقدير، لكن الأهم أن نستمر في متابعة رحلة المريض، وأن نمنحه الرعاية التي يحتاج إليها، وأن نترك للطب والوقت فرصة إظهار النتائج النهائية.

أوجه تحية تقدير إلى كوادر الدفاع المدني والغطاسين، وإلى العاملين في المستشفى الإسلامي في العقبة، وإلى الأطباء والجراحين والكوادر التمريضية والتخدير وكل من شارك في رعاية مصطفى.

لقد أثبتت هذه التجربة أن التكامل بين الخبرة والشجاعة والمسؤولية يمكن أن يمنح الإنسان فرصة جديدة، وأن قيمة الإنجاز لا تكمن في صعوبة العملية وحدها، بل في الرسالة التي يحملها.

من قاع خليج العقبة إلى غرفة العمليات في عمّان، لم تكن قصة مصطفى عوف قصة ساق أُعيدت إلى مكانها فحسب، بل قصة إنسان تمسّك بالأمل، وكفاءات تكاتفت من أجل إنقاذه، ومسؤولية مهنية وإنسانية تذكّرنا أن الإنسان يبقى دائمًا في قلب رسالتنا.

وأخيراً أتوجه إلى رأس الدولة، جلالة الملك، لنقدم له هذا الإنجاز، والشكر على استقبال رئيس ديوانه العامر: رئيس الديوان الملكي معالي السيد يوسف حسن العيسوي الذي إستقبل الأطباء مع الكوادر الطبية لمستشفى عبد الهادي، وهذا شرف نعتز به ونفخر.

تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions