عمر الدريني يكتب :مركز صحي العودة قرب مسجد أنس بن مالك: حين يصبح المريض مطالبًا بإثبات حقه في العلاج
نبأ الأردن -
متى يصبح المريض مضطرًا إلى أن يثبت أنه يستحق أن يُفحص؟
يدخل إنسان إلى مركز صحي وهو يتألم، يسجل دوره، ينتظر قرابة خمسة وعشرين دقيقة، ثم يجد نفسه أمام موقف يجعله مضطرًا إلى المطالبة بحقه في العلاج، بدلًا من أن ينشغل بما جاء من أجله: الفحص والعلاج.
في مركز صحي العودة قرب مسجد أنس بن مالك، دخل مواطن يعاني آلامًا شديدة في قدمه، وكانت حالته تحتاج إلى الفحص والعلاج والراحة، سجّل دوره، ثم جلس على كرسي أمام باب غرفة الطبيب، منتظرًا دوره كما يقتضي النظام.
مرت قرابة خمسة وعشرين دقيقة، وكان يسمع الطبيب يتحدث عبر الهاتف بصوت مرتفع من داخل الغرفة، وقبل أن يأتي دوره، سأل المواطن طبيبًا آخر في المركز: «هل يتم النداء على الدور حتى أدخل إلى الطبيب؟» فجاءه الرد واضحًا: «نعم، يتم النداء على الدور».
ثم جاءت امرأة برفقة ابنها، ودخلا مباشرة إلى غرفة الطبيب، وقف المواطن معترضًا، لكن الطبيب لم يُبدِ اهتمامًا باعتراضه، واستمر في الحديث مع المرأة، ثم قام بمعالجة ابنها، قبل أن تخرج المرأة وطفلها.
بعد خروجهما، بقي المواطن أمام غرفة الطبيب، ثم دخل إليه في محاولة لفهم ما جرى والتعبير عن حالته الصحية، كان يقف أمام طبيب يفترض أن تكون مهمته الاستماع إلى المريض، وفهم شكواه، وتقدير حالته قبل الحكم على ما يحتاج إليه.
وبعد دخوله، أراد المواطن أن يقرّب الكرسي الموجود داخل الغرفة حتى يتمكن من الجلوس لشرح وضعه الصحي للطبيب، لأن ألم قدمه لم يكن يسمح له بالوقوف طويلًا، فجاءه الرد: «خلّي الكرسي مكانه».
قد تبدو العبارة عابرة لمن يسمعها من بعيد، لكنها كانت ثقيلة على مريض متألم، لم يكن يريد امتيازًا، ولم يطلب معاملة خاصة؛ كان يريد فقط أن يجلس لأنه لا يستطيع الوقوف طويلًا بسبب الألم.
وهنا يصبح الكرسي أكثر من مجرد قطعة أثاث؛ يصبح تفصيلًا صغيرًا يكشف أهمية أن يرى مقدم الرعاية الإنسان قبل أن يرى المراجع أو رقم الدور.
ثم اتخذ الحوار منحى آخر، وقال الطبيب للمواطن: «إنت جاي توخذ إجازة، أنا ما بعطيك غير 24 ساعة، وأنا ناديت عليك».
وهنا تبرز أسئلة تستحق التحقق: إذا كان المواطن قد نودي عليه فعلًا، وهو يجلس مباشرة أمام باب غرفة الطبيب، فلماذا لم يسمع النداء؟ وإذا كان قد أُبلغ بأن النظام هو النداء على الدور، فكيف لم يصل إليه النداء؟ وإذا كانت حالة الطفل تستوجب الأولوية طبيًا، ألا يستحق المريض المنتظر أن يفهم سبب تقديم حالة على أخرى؟
ثم يأتي السؤال الأكثر حساسية: هل يجوز افتراض أن مواطنًا جاء إلى مركز صحي طلبًا لإجازة مرضية قبل أن تُفحص حالته وتُسمع شكواه وتُقيّم طبيًا؟
هذه الأسئلة لا تعني إدانة الطبيب، ولا تعني أن رواية طرف واحد تكفي لإصدار حكم، فالتحقق الموضوعي يقتضي سماع جميع الأطراف، والاطلاع على الإجراءات المتبعة، ثم الوصول إلى النتيجة العادلة.
لكن عدم إصدار حكم لا يعني تجاهل السؤال؛ فالمسألة تفتح بابًا أوسع حول العلاقة بين الطبيب والمريض، وحول الطريقة التي ينبغي أن تُدار بها لحظة يكون فيها أحد الطرفين متألمًا والآخر مسؤولًا عن رعايته.
فالطبيب يملك المعرفة، والمريض يضع بين يديه ألمه وثقته، ولهذا يفترض أن تقوم العلاقة بينهما على الاحترام والهدوء والثقة، وأن يكون الحوار وسيلة لفهم الحالة لا سببًا في زيادة توترها.
ومن هنا يأتي دور الرقابة، فالرقابة الصحية لا ينبغي أن تبدأ فقط عند وقوع خطأ طبي جسيم؛ بل تبدأ من التفاصيل اليومية: طريقة استقبال المراجع، وتنظيم العمل، ووضوح الإجراءات، والاستماع إلى الشكوى، واحترام الحالة الصحية، وطريقة مخاطبة المريض عندما يسأل أو يعترض.
كما أن الرقابة لا تعني الانتصار للمريض ضد الطبيب، ولا للطبيب ضد المريض؛ فالعدالة أن ننتصر للحقيقة، فإن كان هناك سوء فهم فليُوضح، وإن كان هناك مقتضى طبي جعل حالة تتقدم على أخرى فليُشرح، وإن ثبت تقصير أو تجاوز فليُعالج وفق الأنظمة والتعليمات.
وهنا يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية: هل توجد متابعة داخلية وخارجية كافية تضمن أن يحصل المريض على الخدمة باحترام، وأن يستطيع التعبير عن اعتراضه أو استفساره دون أن يشعر بأنه أصبح في مواجهة مع المؤسسة التي جاء إليها طلبًا للعلاج؟
لأن الثقة في المؤسسة الصحية ليست رفاهية؛ إنها جزء من العلاج، وقد لا يحتاج المريض في لحظة الألم إلى أكثر من كلمة هادئة تقول له: «اصبر، سنصل إليك، ونحن نعرف أنك تتألم».
لذلك أضع هذه الواقعة أمام المسؤولين في وزارة الصحة والجهات الرقابية المعنية، لا للتشهير، ولا لإدانة أحد قبل التحقق، وإنما للمطالبة بالتحقق والإنصاف والمراجعة والتصحيح إن ثبت وجود خلل.
فالمراكز الصحية ليست مباني وأجهزة وملفات ووصفات طبية فقط؛ إنها أماكن يضع فيها الإنسان ضعفه بين أيدي العاملين فيها، والطبيب يعالج المرض، لكن المؤسسة الصحية مطالبة أيضًا بأن تصون كرامة المريض، فالمريض لا يحتاج إلى العلاج وحده، بل إلى شعور بأن كرامته مصونة، وأن صوته مسموع، وأن ألمه محل اهتمام.
فكم مريضًا تألم وصمت؟ وكم إنسانًا غادر مركزًا صحيًا وهو لا يعرف لماذا حدث ما حدث؟ وكم موقفًا صغيرًا كان يمكن أن ينتهي بكلمة هادئة، لكنه ترك في نفس صاحبه أثرًا أكبر من حجمه؟
القضية الأعمق ليست كرسيًا، ولا انتظارًا، ولا موقفًا عابرًا؛ إنها أن الإنسان عندما يدخل مركزًا صحيًا وهو يتألم، يجب ألا يخرج منه وهو يحمل سؤالًا أثقل من ألمه: هل كان عليه أن يطالب بحقه في العلاج، أم كان من المفترض أن يكون هذا الحق محفوظًا له منذ اللحظة الأولى؟
فالألم قد يخف بالعلاج، أما حين يشعر الإنسان أن ألمه لم يُرَ، وأن كرامته لم تُسمع، فقد يبقى ذلك الوجع أطول من وجع القدم.

























