م.صلاح طه عبيدات يكتب: الشلبي ...في الذاكرة الشعبية
نبأ الأردن -
في ذاكرة القرى، لا تُقاسُ الحياةُ بالسنوات بل بالطقوس، ولا يُولدُ الإنسانُ مرتين؛ بل يُنتزعُ من طفولته الأولى عبر شفرةٍ وميعاد.
كان «الشلبي» يصلُ كقَدَرٍ مألوف، ببدلته الأنيقة وحقيبته البنية اللماعة، يحملُ في قيافته هيبةَ الحاكم وفي أدواته رهبةَ الجرّاح. لم يكن مجرد رجلٍ يمارس طقس «الختان»، بل كان كاهن الممرّ الإجباري الذي يسوقُ الصبيان من وادي البراءة الوديع إلى مجرى الرجولة الوعر.
تأتي الأمهات بأبنائهنّ، وفي العيون مزيجٌ أزليّ من الوجل والرجاء. يتعالى صراخ الطفل متوسلاً الأمان الأخير، فتبكي الأمُّ شفقةً وحناناً، لكنها في اللحظة عينها تزغردُ فرحاً وافتخاراً! إنها المتناقضة الإنسانية الأعمق: كيف يجتمع الفقد والولادة في قطرة دمٍ واحدة؟ تعلو أهازيج النساء: "طهره يا شلبي وناوله لأمه..." فتختلطُ دموع الألم الجسدي بتراتيل الابتهاج الاجتماعي، في سيمفونية عاطفية عجيبة لا يفهمها إلا من صهرته الأعراف.
على حافة المشهد، تتناثر حبات الملبس الحلوة الممزوجة بالملح والياسمين؛ حلاوةُ العيد تُصافح ملوحة الدم والدمع، والياسمينُ يضوعُ برائحة الأرض التي تشهدُ ولادةَ رجلٍ جديد. لم يكن الملحُ هنا مجرد رداءٍ للعادة، بل كان رمزاً لمعنى الحياة المُرتقبة: حياةٌ لا تُستطابُ حلاوتها إلا بالصبر على ملحها ومرارتها.
وعندما كانت تتصاعد «الزغرودة» شاقةً أثير القرية، لم تكن مجرد صوتٍ للفرح، بل كانت نداءً وجودياً يُحرّكُ في روح الطفل الراقب شيئاً أعمق من الخوف. كانت أشبه بنفير حربٍ يعلنُ نهاية عهد الغفلة، ويدفع بالفصل الجديد نحو ساحة معركة حقيقية تُسلّحها السيوف والرماح؛ معركة يُدرك فيها الطفلُ دون فلسفةٍ مدونة، بل بحدس أجداده الصافي، أن الحياة في أصلها نزالٌ، وأن الاستسلام ليس خياراً مطروحاً... بل لا بدّ من النصر.
إن «الشلبي» لم يكن يقصّ قطعةً من الجسد، بل كان يفرزُ الزمن؛ ليترك الطفلَ قديماً خلف الباب، ويخرج للعالم رجلاً تعمّد بالدم والدمع والغناء.
























