د. ماجد الخواجا يكتب: عالم يئن بحثا عن الإنعزالية
نبأ الأردن -
تتصاعد شعبوية اليمين المتطرّف في كافة الدول، ليس في مجال الأيديولوجيا البحتة، وإنما في مجال الرغبة بالحفاظ على هوية وجغرافيا وسيادة لفئة ترى أنها باتت مهددة في وجودها ومصادر عيشها نتيجة طوفانات الهجرة الشرعية وغير الشرعية. لقد أعلن أحدث تقرير للأمن القومي الأمريكي أن أوروبا مهددة بضياع هويتها خلال عقدين من الزمان، وأنه ينبغي لليمين السياسي فرض نفوذه وهيمنته في دول أوروبا من أجل حماية وجودها وحدودها. لم تبق دولة في العالم إلا واشتكت من حجم الخلخلة الديمغرافية فيها. لقد خرجت الصرخات المحذّرة من ذوبان الهوية نتيجة التواجد الكبير للمهاجرين أو اللاجئين في المغرب والجزائر والعراق وتونس وليبيا ومصر ولبنان والأردن وتركيا، بل إن دولة مثل رواندا باتت مذعورة من حجم الإعادة للمهاجرين غير الشرعيين عبر الاتفاقيات المبرمة مع بعض الدول الأوروبية التي تعيد المهاجرين غير الشرعيين لدول حاضنة بشكل مؤقت أو دائم، خاصةً لمهاجري الدول المتورطة في الحروب والأزمات والمهددة للوجود الإنساني فيها. وتكاد عديد من الدول تعلن عجزها عن تنفيذ أية مبادرات بالخصوص، وتعيش حالةً من الإنفلات الأمني الناشئ عن الحروب الداخلية كما هو حال اليمن والسودان وليبيا وجنوب السودان والكنغو والنيجر، أو دول تعاني من تصدّع داخلي لمجتمعاتها مثل أفغانستان وإيران والباكستان. لقد أسس مجيء ترامب في العهدة الثانية لفكرة " الإنعزالية" والتعامل مع الدول ضمن الفهم القائم المستند للصفقات، فالمصلحة الوطنية تعتبر بمثابة الأساس لكل العلاقات الدولية. وهذه المصلحة أصبحت الشمّاعة التي تقاس بموجبها العلاقات مع الدول والهيئات الدولية، والتحلل من أية ارتباطات أو مواثيق عالمية بذريعة الأولويات الوطنية. في بدايات القرن العشرين كانت أمريكا بحاجة ماسّة للعقول والخبرات المهنية ولزيادة حجم السكان في أراضيها الشاسعة، فكان شعارها في البداية الترحيب بالمهاجرين دون اعتبار لأعراقهم أو لمهاراتهم، ومع التقدم والاستقرار ورسوخ النمو الصناعي والاقتصادي. جاءت الأولوية للمهارات دون اعتبار للأعراق, لكن مع بروز المشاكل والتوترات الاجتماعية، بدأ الشعار يتحول لتصبح الأولوية للأعراق وإن توفرت أو لم تتوفر المهارات. ومع زيادة أمواج الهجرات، أصبح الحديث عن ضرورة الموائمة بين الأعراق وتوافر المهارات. ليصبح الان في عهد اليمين المتطرف الأمريكي تبنّي خيارات الانتقاء والاصطفاء للأعراق وللمهارات معاً. لقد تناست أمريكا أنها قامت بإبادة السكان الأصليين لأمريكا وزرعت مكانهم المبعدين الأوروبيين والمستعبدين الأفارقة والمخطوفين من المتفوقين من أصقاع العالم لتأخذ شكل الدولة والمجتمع الفاسد الظالم ما بين من يُدعى " الرجل الأبيض" وبين من سَمّوهُم " العبيد السود"، فكان مجتمع الديستوبيا الشرير الحقود العنصري الذي استمر لقرون بعد تأسيس الولايات المتحدة وهو يمارس كراهية وتمييز عنصري إلى درجة تحديد أماكن خلفية في الحافلات للسود، وتحديد صنابير شرب الماء الخاصة بالبيض والمحرمة على السود، تحديد الأماكن التي يتحركون بها والمواقع التي يعملون بها، ومستوى الإدارة المسموح للسود من استلامه. ناهيك عن الحد من العلاقات الاجتماعية ومن السكن المقيّد ومن عدم السماح بالمصاهرات والإنضمام للأندية والمنتديات والجمعيات والأحزاب ذات الصبغة العنصرية البيضاء.
إن الإستشراف للمشهد العالمي الذي يتشكل يوحي بالتوجّه للإنعزال والإنغلاق وأن تبحث كل دولةٍ عن مصلحتها وأسباب بقائها بصرف النظر عن أية ارتباطات مع أية دول أو مجتمعات، أكانت ارتباطات دينية أو عرقية أو قومية أو طائفية، فالأولوية داروينية بحتة تسعى لضمان البقاء كحاجة أساسية تهيمن على الحاجات الأخرى التي يتم تجاهلها لحين بلورة المشهد العالمي الجديد الذي قد يكون مبنياً على أسس مغايرة تماماً لما هو الحال حتى الآن.
إن مصطلحات من قبيل الدول الفاشلة ستسود وتتمدد بصورةٍ غير مسبوقة، وسنرى دولاً تختفي ودولاً تندمج ودولاً تتشكل على قواعد البقاء والحماية، فقد نشهد دولةً تعادي دولة نظيرة لها في مشتركات عقدية وقومية وعرقية، وقد نشهد دولةً تناصر دولةً مخالفةً لها في الدين والفكر والعرق والقومية. عالم يئن حقاً، يبحث عن فرص البقاء فيجدها إما في الإنعزال والإعتزال، وإما في الذوبان والتلاشي.

























