د.عبدالله محمد القضاه يكتب: من الاستراتيجية إلى الأثر: معركة التنفيذ في الإدارة الحكومية
نبأ الأردن -
لا تكمن المشكلة في الإدارة الحكومية دائماً في غياب الاستراتيجيات أو نقص الخطط والرؤى. فالحكومات تمتلك اليوم وثائق كافية لرسم صورة المستقبل، لكن التحدي الحقيقي يبدأ بعد اعتمادها: كيف تنتقل الاستراتيجية من الورق إلى الواقع؟
هنا تظهر "فجوة التنفيذ"، أي المسافة بين ما تعد به الاستراتيجية وما يتحقق فعلياً على الأرض. فكثير من الأهداف الطموحة لا تجد طريقها إلى التنفيذ لأنها لا تتحول إلى مشاريع محددة، ومواعيد زمنية، ومسؤوليات واضحة، وموارد كافية، ومؤشرات تقيس النتائج والأثر.
الاستراتيجية، مهما بلغت جودتها، لا تنفذ نفسها. والقيادة الإدارية الحقيقية تبدأ حين ينتقل السؤال من "ماذا نريد؟" إلى "كيف سنحققه، ومتى، ومن المسؤول، وكيف سنعرف أننا نجحنا؟". ومن هنا تبرز أهمية إدارة الأداء المؤسسي بوصفها الجسر الذي يصل بين الرؤية والتنفيذ؛ فالنجاح لا يقاس بعدد الاجتماعات أو الأنشطة، بل بما تنتجه من نتائج وما تحدثه من أثر في حياة الناس.
وفي هذا السياق، تقدم تجربة حكومة الدكتور جعفر حسان نموذجاً لافتاً في الانتقال من إدارة السياسات كعناوين عامة إلى برامج تنفيذية قابلة للقياس والمتابعة. فقد ارتكز العمل الحكومي على برامج ومشاريع محددة، وأطر زمنية، ومسؤوليات مؤسسية، ومؤشرات للأداء والأثر. كما تضمن البرنامج التنفيذي الثاني لرؤية التحديث الاقتصادي 2026–2029، بحسب ما أُعلن، 182 مبادرة تنفذ عبر 392 مشروعاً، مع بطاقات تفصيلية للمخرجات والجداول الزمنية ومؤشرات قياس الأثر، ومنظومة إلكترونية للمتابعة والتقارير الدورية.
وتكمن قيمة هذا النهج في تحويل الرؤية إلى برنامج، والبرنامج إلى مشروع، والمشروع إلى نتيجة، والنتيجة إلى أثر قابل للقياس. فليس المهم أن نعقد ورشاً أو نصدر أنظمة أو نعلن إنجاز مشروع بنسبة معينة؛ الأهم أن نسأل: هل تحسنت الخدمة؟ هل انخفض زمن المعاملة؟ هل زادت فرص العمل؟ وهل ارتفع رضا المواطن؟
ولتعزيز هذه المنهجية، يمكن اعتماد "بطاقة أثر" لكل مبادرة حكومية، تحدد المشكلة، والنتيجة المستهدفة، والأثر المتوقع، وخط الأساس، والقيمة المستهدفة، والجهة المسؤولة، ومصادر البيانات. كما ينبغي أن تركز اجتماعات المتابعة على سؤال "ماذا تغير؟" بدلاً من الاكتفاء بسؤال "ماذا فعلتم؟".
إن معركة الإدارة الحكومية الحقيقية ليست إعداد الاستراتيجيات، بل تنفيذها. فالدولة التي تريد قياس نجاحها بما يتحقق على الأرض مطالبة بأن تجعل كل هدف قابلاً للترجمة إلى عمل، وكل عمل قابلاً للقياس، وكل قياس مرتبطاً بنتيجة يشعر بها المواطن. عندها فقط تتحول الاستراتيجية من وثيقة محفوظة في الأدراج إلى أداة لصناعة المستقبل، ويصبح السؤال الأهم في نهاية العام: ماذا تغير في حياة الناس؟
























