د. ماجد الخواجا يكتب: التوظيف السياسي وفن السخرية (2)
نبأ الأردن -
هل السخرية شجاعة وجرأة لاتخاذها الفنّ وسيلة للنقد؟، وهل هي وسيلة شرعية للتعبير الحرّ عن الرأي؟، وما هي حدودها في التشريعات والقوانين؟، وهل هناك مدونات أخلاقية تعمل على ضبطها وترسيم حدودها؟.
هل يهدف الساخر إلى بلوغ الشهرة وتحقيق حصانة اجتماعية ما؟، وهل يحقّ للساخر امتلاك الرأي العام؟، والسيطرة على جزء من الفضاء العمومي؟،
هل تحقّق السخرية المتعة والتنفيس والترويح وتساعد على اللياقة النفسية والبدنية للمتلقي؟، وما هي آليات السخرية والتهكّم، ولماذا يلتزم الساخرون بطقوس التهريج؟.
كيف يستميل الساخر الجمهور بذكاء، وهل يحقّ له التلاعب بالرأي العام والتلاعب بالمتلقي؟، وهل يمكن قبول ممارسة التشويش السياسي والاجتماعي عبر فنّ السخرية؟
هل السخرية "إبلاغ عن الانتماء"، وهل يمكن قبولها كاحتجاج وتمرّد سلميّ على السلطة؟، وما هي حدود السخرية؟، وهل يمكن القبول بالسخرية العدائية لتحقير الخصوم وممارسة النبذ؟.
لماذا تنحرف السخرية عن الفنّ، وتمارس الإغاظة المؤدلجة والمسيّسة؟، وهل يحقّ للساخر توظيف السخرية لممارسة ضغوط انتقائية في السياسة؟ أم أنّ هذا السلوك مجانبة للموضوعية والحياد وغياب للمصداقية والتجرّد؟.
هل يحقّ للساخر استخدام الإيحاءات وانتهاك التابوهات كالسخرية من اللون أو المستوى الاجتماعي أو الطائفة أو المذهب؟، وتحويل السخرية غير الهادفة إلى وسيلة لنشر السخافة والتفاهة والعبثيّة؟، وهل يعتبر الهزل والتهريج وإضاعة الوقت سخرية بالأساس؟، وهل يسمح بتبادل الشتائم وانتهاك المحرّمات ونقد المقدّس عبر فنّ السخرية؟، وما هي الحدود المسموح بها في ترسيم حدود الفحش عبر السخرية؟.
السخرية بوصفها الفكاهة والنادرة والملحة والنكتة والطرفة، وصناعتها تعني تحويل كل ما هو دوني ووضيع ومهمل إلى مهم وممتع ورئيس، معها يُستفز العقل فتتيقظ العواطف ويتبدد السأم والضيق والكدر. وكلما كان الواقع ملبداً بالهموم والمعاناة والحرمان، غدت صناعة السخرية ذات أهمية أدبية وضرورة حياتية بوصفها سلاحاً فاعلاً في قلب الواقع، بما تولِّده من أحاسيس مفعمة بالهزل والتهكم والتندر.
"المنهج السقراطي يقوم على عنصري التهكم والتوليد معتمدًا على قدرته في إيقاع محدّثه في التناقض فيتصنع الجهل بطرح أسئلة ثم يثير الشك في أقواله ليقرَّ المتحدث بجهله في النهاية. فيكون بذلك نوعاً من الحوار الساخر الذي يُظهر غير ما يُضمر. ويحفل التاريخ بأسماء قد يحتاج البحث عنها وفيها لكتب كاملة مثل موليير وتشيخوف وغوغول وبرنارد شو.
تعتبر رواية "الحمار الذهبي" لـ أبوليوس أولى الروايات الساخرة في العالم، فالبطل الذي حوَّله السحر إلى حمار بخطأ ما، يتجول عبر الناس والمدن وهو يرى ويحس ويدرك وتحصل أثناء ذلك الكثير من المفارقات المضحكة والمؤذية والكاشفة عن أحوال ذلك الزمن.
التركي عزيز نيسين، الذي عرف المنافي والسجون، فقد جعل من الضحك حد البكاء والتطهُّر أسلوبه المميز في انتقاد عيوب عصره. وقد احتشد في إنتاجه الفكري من صحافة وقصص ومسرحيات وكتب ما تجاوز مئة كتاب رسخ فيها رسالته الساخرة والكوميدية في الانتقاد اللاذع للأوضاع السياسية، وقد توِّج كصانع للمرح والابتسامة على وجوه الفقراء وهو الحائز على العديد من الجوائز والأوسمة العالمية، كما تُرجمت أعماله إلى أغلب لغات العالم ومنها العربية. وتم تحويل روايته " زوبك" إلى مسلسل تلفزيوني سوري تحت عنوان "الدغري" جُسدت فيه تناقضات المجتمعين التركي والعربي معاً، كما تضمن فضح الوصوليين والمتسلقين للوصول إلى السلطة عبر الغش والتدليس والمكائد، وبذات الوقت رسالة إلى فئات الشعب بأنهم مسؤولين عن وصول هؤلاء إلى مواقع القرار. كل ذلك في لغة رشيقة وساحرة بتصويره الكوميدي للشخصيات الحاملة لرموز يشير كل منها لما يمثله في الشرائح الاجتماعية مما يعكس حالة الصراع فيما بينها وحالة الواقع البائس والتركيبة السياسية التي تمثله.
أما العمل الأكثر أهمية هو رائعة الإسباني ميغيل دي ثربانتس "دون كيخوته" التي يسخر فيها من تصورات البطولة الحمقاء ونبالة الفروسية التقليدية لرد المظالم.
يقول ميلان كونديرا في روايته "حفلة التفاهة" أننا يجب ألا نأخذ الحياة على محمل الجد، لأننا أدركنا منذ زمن طويل أنه لم يعد بالإمكان قلب هذا العالم، ولا تغييره إلى الأفضل، ولا إيقاف جريانه البائس إلى الأمام. ولم يكن ثمة سوى مقاومة وحيدة ممكنة: ألّا نأخذه على محمل الجد. بهذا نقاوم فراغ المعنى وعبث الحياة.
ويُعَد الكاتب الأيرلندي (جورج برنارد شو) شيخ الساخرين بأدبه الذي انتشر في العالم متجاوزاً اللغة، حيث ألفَّ أكثر من ستين مسرحية من نوع الكوميديا السوداء التي تسخر من كل شيء، ويحتل الكاتب الألماني لوريو مركزاً مهماً في النقد الساخر للمجتمع الألماني بصفاته التي يغلب عليها طابع الجديَّة والجمود، ولا ننسى الكاتب الأمريكي الشهير ( مارك توين) الذي وصفه البعض بأنه أعظم الساخرين الأمريكيين متخذًا من الخيال العلمي مادة غزيرة له.
وفي العصر الحديث عادت الكتابات الساخرة والكوميديا السوداء (كما يقال) للظهور وبقوة في العالم العربي وبرزت أسماء سطرت حروفها على رقصات المعاناة وعلى ضحكات الجماهير التي تُدير ظهرها لواقعها التعيس، ومن هؤلاء الأدباء - على سبيل المثال لا الحصر - طه حسين (عميد الأدب العربي) الذي اشتهر بنقده الساخر واللاذع عبر مقالاته وكتبه الكثيرة، وأحمد أمين، ومحمد الماغوط، وجلال عامر الذي رسم (البسمة الباكية) على الوجوه كما يقال عنه، ومحمود السعدني (الولد الشقي) وهو من روَّاد الكتابة الساخرة في العالم العربي، والشاعر أحمد مطر، وأحمد فؤاد نجم، والأديب الفلسطيني إميل حبيبي الذي يرى أن السخرية سلاح يهزُّ عرش الظالمين، وأحمد رجب وله مقالات يومية بعنوان (نص كلمة)، وأحمد بهجت، والكاتب السوداني جعفر عباس الذي غلب على كتاباته الطابع الساخر، ويُعد الكاتب العربي الأول الذي ضمته النسخة الإنجليزية من " ويكيبيديا " إلى قائمة الكتاب الساخرين في العالم، وتتخذ مقالاته الساخرة عناوين متعددة منها زاوية معكوسة، زاوية حادة، زاوية منفرجة، غامقة. وهناك أيضاً هاشم السبع، وفخري قعوار، ولطفي ملحس، ومحمد طملية الذي أسس للكتابة الساخرة منذ العام 1987.
من المفارقات الكبيرة في عالم الكتابة الساخرة أن معظم الكتاب الساخرين، عاشوا في بيئات قاسية ومؤلمة ولهم تجارب صعبة مع الحزن، وربما مع الفقر والمرض والمعاناة والاعتقال. وعلى الرغم من ذلك فقد لجأوا إلى هذا النوع من الأدب، وكأنهم في البدء قد قرروا أن ينتصروا على الحزن والألم الذي بداخلهم، ثم تحويله إلى مادة للضحك والسخرية حتى تمضي الحياة، وربما ذلك يتوافق مع ما ذهب إليه علماء النفس الذين يرون في السخرية سلاحاً يستخدمه الفرد لترميم دواخله من الجنون والانهيار النفسي، فعلى الرغم من أن المادة التي يكتبها هؤلاء الأدباء، تصل إلى المتلقي وهي تحتشد بالسخرية والضحك، إلا أنها في حقيقتها قد عبرت عن تجربة مريرة مر بها الكاتب.
























