أ.د. أمجد الفاهوم يكتب: حين تصبح بيئة العمل عائقاً أمام الكفاءة
نبأ الأردن -
كثيراً ما نسمع في المؤسسات عبارة تبدو منطقية: نحتاج إلى كفاءات أفضل. فنستقطب أصحاب الخبرة، ونضع أمامهم أهدافاً طموحة، ثم ننتظر النتائج. وحين لا يتحقق المأمول، قد يكون الخلل في الاختيار أو الأداء، لكن من الإنصاف أن نسأل أيضاً: هل وفرت بيئة العمل ما يكفي لتحقيق تلك الأهداف؟
لنتخيل مؤسسة استقطبت فريق مبيعات متميزاً. يبدأ الفريق بحماس، ثم يواجه أهدافاً قد لا تتناسب مع حجم السوق، وخصومات تؤثر في الربحية والعمولات، وضغطاً لإغلاق الصفقات قبل اكتمال جاهزية خدمة العميل، إلى جانب مسؤوليات في التحصيل لا تقع كلها ضمن سيطرته. بعد أشهر تتراجع النتائج، فتصل الإدارة إلى الاستنتاج الأسهل: الفريق لم يكن بالكفاءة المطلوبة.
قد يكون ذلك صحيحاً، لكنه ليس الاحتمال الوحيد.
فالأداء المؤسسي حصيلة تفاعل بين كفاءة الإنسان وجودة الإدارة وكفاءة النظام. الموظف مسؤول عن أدائه وانضباطه وتطوير قدراته، والمدير مسؤول عن التوجيه والمتابعة والقرار، والمؤسسة مسؤولة عن توفير الصلاحيات والموارد والإجراءات التي تجعل الإنجاز ممكناً. ولذلك، فالمساءلة العادلة لا تعني البحث عن شخص نحمله النتيجة، بل تحديد موضع الخلل أولاً، ثم وضع المسؤولية حيث يجب أن تكون.
واللافت أن هذه الفكرة ليست وليدة نظريات الإدارة الحديثة. ففي التجربة الإدارية للدولة الإسلامية، وخصوصاً في عهد الخليفة عمر بن الخطاب، برز مفهوم يقوم على حسن اختيار المسؤول، ومنحه مساحة لممارسة مسؤوليته، ثم محاسبته على ما أُسند إليه. فلم تكن الولاية امتيازاً بلا حساب، ولم تكن المسؤولية تكليفاً بلا صلاحية. كان الوالي مسؤولاً عن النتائج، وكانت أعمال الولاة موضع متابعة ومساءلة، بما يؤكد مبدأ ما زالت الإدارة الحديثة تبحث عن أفضل السبل لتطبيقه: لا مسؤولية حقيقية من دون صلاحية، ولا صلاحية من دون مساءلة.
وبعد أكثر من أربعة عشر قرناً، تبقى هذه المعادلة جديرة بالتأمل في مؤسساتنا. فقد نعيّن مديراً ناجحاً ونطالبه بالنتائج، لكننا نقيد قراره بسلسلة من الموافقات. وقد نستقطب موظفاً متميزاً ثم نستهلك وقته في إجراءات يمكن اختصارها. وقد نطالب شاباً بأفكار مبتكرة، ثم تصبح رحلة تحويل الفكرة إلى قرار أكثر صعوبة من ابتكارها.
وفي المقابل، لا يجوز أن نجعل النظام شماعة نعلق عليها كل تقصير. فهناك مؤسسات توفر بيئة جيدة ولا يحقق بعض العاملين فيها المستوى المطلوب، وهنا تصبح المساءلة ضرورة. المعادلة الصحيحة واضحة: صلاحية كافية، وهدف واقعي، وموارد مناسبة، ثم محاسبة جادة على النتيجة.
وهذا مهم للأردن ونحن نمضي في مسارات التحديث الاقتصادي والإداري. فالتحديث لا يقاس بعدد الخطط والتعليمات التي نصدرها، بل بما يتغير فعلياً داخل المؤسسة: كم إجراءً اختصرنا؟ وكم قراراً أصبح أقرب إلى موقع تنفيذه؟ وكم ساعة عمل استعدناها من البيروقراطية؟ وهل أصبح المتميز يرى أثراً لاجتهاده، والمقصر يدرك أن هناك مساءلة حقيقية؟
وتزداد أهمية ذلك مع الشباب والكفاءات الأردنية. فنحن بحاجة إلى فرص عمل جديدة، لكننا نحتاج أيضاً إلى بيئات تجعل هذه الفرص منتجة. فالراتب مهم، لكنه ليس العامل الوحيد في بقاء الكفاءة؛ فعدالة التقييم، ووضوح المسار، وفرص التطور، وسرعة القرار، وتقدير الإنجاز عوامل تحدد قدرة المؤسسة على جذب المتميزين والمحافظة عليهم.
لقد استثمر الأردن طويلاً في أثمن موارده: الإنسان الأردني. ومن هنا يجب أن تبدأ الخطوة العملية داخل كل مؤسسة: مراجعة الصلاحيات، واختصار الإجراءات، وتحديد أهداف قابلة للقياس، وربط المسؤولية بالقرار، ثم محاسبة كل طرف على ما يقع فعلاً ضمن مسؤوليته.
ولنسأل في كل موقع عمل سؤالاً بسيطاً: ما الذي يعطل الإنجاز ويمكن إصلاحه اليوم؟ قرار يمكن تفويضه، أو إجراء يمكن اختصاره، أو هدف يحتاج إلى مراجعة، أو أداء يستوجب المحاسبة.
فتجارب الإدارة، قديمها وحديثها، تقودنا إلى قاعدة واحدة لا تتغير كثيراً: اختاروا الأكفأ، امنحوه ما يكفي من الصلاحية لينجز، ثم حاسبوه بوضوح على ما أنجز.
وعندها فقط نستطيع أن نفرق بعدل بين كفاءة لم تجد فرصتها، وتقصير يستحق المساءلة.

























