عبدالهادي راجي يكتب: عن الزيطه والزمبليطه والأثير
نبأ الأردن -
قبل سنوات طويلة استضاف برنامج يسعد صباحك ، الفنان العراقي العظيم (الهام المدفعي) وفي لجة الحوار سألته المذيعة : (كم إلك ما دخلت العراق) ؟ صمت إلهام قليلا ، وسرقت دمعاته هدوء العيون فبكى ، أرادت المذيعة أن تخرج من هذا الموقف فقالت له : (أنا متعاطفه معك بس لازم نطلع من جو الحزن غنيلنا اشي هيك حلو فيو زيطه وزمبليطه) ...نظر إليها إلهام المدفعي وقال بلهجته العراقية العظيمة غاضبا : (معودة شنو زيطه وزمبليطه أنا ما غني زيطه وزمبليطه ) ...
ذاك اللقاء هو اختصار الحكاية التي نعيشها وهي حكاية الأثير في الأردن ..والذي استبيح تماما وصار رخيصا جدا ، فكل ما يسمى إعلاما هو في الحقيقة مجرد (زيطه وزمبليطا) .
أنا مثلا هذا الصباح وأنا قادم لمكتبي سمعت إحدى الإذاعات تبث الأغنية التالية : ( يا أردنية علو الهوية ، قايدنا عبدالله ..الهمة قوية) هذا الكلام لوعرض على مجمع اللغة العربية الأردني فهل سيصنفه شعرا أم نثرا أم (سواليف حصيدة) ؟...وهل حب الملك يتطلب منا أن تقدم فيه كلاما بهذا المستوى ، بحيث يصبح كل من يريد أن يكون فنانا عليه أن يدخل من زاوية الغناء للملك وللجيش وللوطن ، ويجرؤ أن يقدم كلاما مستهلكا أو كما نقول بالعامية (طشي) ، ثم تتلاقف إذاعات (الطشي) هذا الكلام تحت مسمى أغنية وطنية ...هل ( يا أردنية علو الهوية) تقارن مثلا بقصيدة علي عبيد الساعي حين كتب لفارس عوض قصيدة عمان : ( عمان يا دار المعزة والفخر يا حرة ما دنست أثوابها) .
القصة في الأردن هي قصة أثير مستباح ، لا حصانة له ، ولا أخلاق فيه ..ولا ينتج سوى التفاهة ، أنا مثلا أستمع لمذيعة تقدم برنامجا صباحيا ، منذ عام وأنا أحاول الحصول على جملة مفيدة مما تبثه ولم أحصل ، أحيانا تشعر أنها تبث من السرير وأنها ما زالت نائمة ، حجم الدلع في كلامها يفوق دلع هيفاء وهبي في أغنية (ابوس الواوا) ...وثمة بعض المراهقين ، الذين يمطرونها برسائل غرامية ، وبعض (شوفيرية التكسيات) الذين يشعرون بالحب حين تذكر أسمائهم على الأثير ، الشيء الوحيد الذي تبثه ويحمل معنى هو نشرة الطقس ، وغالبا ما تأت بها من مصادر غير موثوقة .
الأردن ليس رخيصا إلى هذا الحد بحيث يسمح لكل مبتديء أن يكتب كلاما تافها فيه ويطلقه تحت مسمى (أغنية وطنية) ، والجيش له تاريخ وله امتداد وله جذور وهو أهم تعبيرات الهوية ، وقد صعقت مؤخرا حين وجدت فتاة تغني للجيش بألحان روسية ، وبكلام لايصلح أن يكون حديثا عاديا ، والأخطر أنها ترتدي لباس الجيش العربي وسجلت الأغنية من صرح الشهيد ومن كتائب الجيش ، والعقل الأردني ليس متخلفا ولا رجعيا ولا ذكوريا بحيث يسمح لهذا الكم من الغنج والدلع والسخافات بأن يظهر على أثيرنا الوطني تحت مسمى برامج صباحية ، أو تحرش مسائي .
أحيانا أحزن على حسام غرايبة وهاني البدري وعامر الرجوب ، هؤلاء احترفوا الوعي ويقدمون برامج تحترم الذائقة والذهن ، ولكن يكفيك أن تدير قرص المذياع لتسمع في الإذاعة المجاورة لإذاعاتهم على جهاز الراديو الخاص بسيارتك ، كما هائلا من الدلع والسخف ...
لايوجد في الأردن مرجعية للأغنية ، ولا يوجد هيئة حقيقية قادرة على أن تقوم بتنظيف الأثير من هذه الضوضاء ، ولايوجد أحد يقول بملء الفم : يكفي ما أنتجناه للجيش والوطن من أغان و(أوبريتات) وأهازيج ، نحن لا نحتاج لكل هذا أبدا ... ونحن لا نحتاج لأي مغمور صاعد أن يصبح فنانا عبر الغناء للجيش والملك ، ولا نحتاج في ذات الوقت لكل فتاة جميلة تجيد الهمس أن تصبح مذيعة باسم الهمس ، وحين تنتقدها يخبرونك : (بتجيب مشاهدات) ...هيفاء وهبي تقدم الإبتذال وابتذالها يحصل على أعلى مشاهدات في العالم ، هل المشاهدات مقياس ؟
في الإذاعات الإسلامية ، لا تجد أغان من شاكلة : (علو الهوية يا أردنية والهمة قوية) ..لأن هذه الإذاعات تلتزم بالقيم وتلتزم بالذائقة ، وتراقب ما تقدمه من محتوى ولا تتناقض أبدا مع رسالتها ، لهذا هي تحظى بالإستماع وتحظى بالحضور.
..وحين يقول حسام غرايبة جملة تثير جدلا ، تجد عشرات الألوف من التعليقات ...وتجد حراكا وردودا ، حتى وإن كانت حادة لكنها تثري الجدل في قضية وطنية نحتاج أن نتحدث فيها دون خجل ...وحين يغضب هاني البدري ، تتفاعل معه الدولة ، هاني حاور الملك حسين في منتصف التسعينات ، وحمل من الوعي الوطني الكثير ..لكن للأسف هذه النماذج صارت في الأثير نماذج كلاسيكية في نظر الذين يديرون إذاعات التفاهة ويمولونها ، ويا ليت لو أننا استبدلناها بنماذج حديثة تمتلك وعيا ، لقد استبدلناها للأسف ببرامج الهمس والدلع والصهونة...والطامة الكبرى في المشهد أن الأخت الفاضلة التي تشعرك أنها تبث وهي نائمة في الصباح ، يحصل برنامجها على دعم من القطاع الخاص وإعلانات في شهر واحد ، يفوق ما جناه حسام غرايبة منذ أن تفتحت عيونه على الدنيا ... حتى القطاع الخاص صار يشجع على السخف .
نظفوا أثير البلد ، يكفيه استباحة ....ماذا تفعل هيئة مثل المرئي والمسموع ؟
أليست وظيفة هذه الهيئة مراقبة الأثير ، الأ تقتضي الأخلاق والمسؤولية الوطنية من هذه الهيئة أن تراقب ما يبث على إذاعاتنا ، بحيث لايصبح الوطن كلاما مبتذلا على لسان مطرب مغمور ، ولايصبح إعلام الدولة غنجا صباحيا على لسان مذيعة تبحث عن الغزل ...
نظفوا أثير البلد ، لقد لوث عمدا وقصدا ، والأردن الذي يعيش معركة ضارية مع الصواريخ الان ، يحتاج للعودة إلى القيم وإلى الثوابت ، وللأسف حين نصفق لولي العهد في الصباح ونفرح لإعادة خدمة العلم ونعتبر هذا المسار يصب في خدمة الجيل ...نبكي في ذات الوقت حين نسمع في المساء إذاعات الغنج والدلع والإبتذال ، تلوث القيم وتعتدي على الأخلاق وتأسس لثقافة (المياصة) .
تلك مسؤولية الرئيس الان ومسؤولية الحكومة ، تفعيل دور هيئة المرئي والمسموع ..وإذا بقي الأمر هكذا ، إذا بقيت أذرع الدولة الرقابية متهالكة وغير صارمة ،وبقيت صلاحيات وزير الإعلام محصورة في التوقيع والمحاضرات وتعيين مجالس الإدارات ، فعلينا أن لا نسأل لماذا حدث ذلك ؟ حين يحصل (الإتجاه الإسلامي ) في الإنتخابات القادمة على نصف مقاعد المجلس ، وعلينا أن لا نعيد النظر في منظومة الحياة الحزبية ، حين يتمدد هذا الاتجاه في الجامعات والمعاهد ، في الجمعيات والأندية وحتى دور الشباب ...
المعادلة بسيطة ، هم يقدمون لك حديث عمر بن الخطاب ، ويقدمون لك دروس في الفضيلة ، ويقدمون أصواتا نسائية عاقلة وتمتلك من الوعي الكثير ..بالمقابل الدولة تمنح تراخيصا باسم الانفتاح للدلع والغنج ، للهمس الليلي المباح ..للأغنية الهابطة وللذائقة المعدومة .
فعلا الأخت الفاضلة لخصت مشهد الأثير الأردني عبر صرختها العظيمة في وجه إلهام المدفعي : ( بدنا زيطه وزمبليطه) .

























