د. محمد الجبور يكتب: الأردن أولاً.. لا حياد أمام الاعتداء ولا تسامح مع التحريض
نبأ الأردن -
عندما تتعرض المملكة الأردنية الهاشمية لاعتداء يستهدف أمنها وشعبها وأرضها، فإن الموقف لا يحتمل الرمادية ولا المساومة. فالأمر يتعلق بسيادة دولة وكرامة شعب وأمن وطن، وليس بخلاف سياسي يمكن التعامل معه بمنطق الاصطفافات والمصالح.
الأردن، الذي اختار عبر تاريخه أن يكون دولة متزنة ومسؤولة في محيط إقليمي مضطرب، لا يمكن أن يقبل بأن تتحول أراضيه أو أجواؤه أو أمن مواطنيه إلى ساحة لصراعات الآخرين. وأي اعتداء يطال الإنسان الأردني أو يهدد مقدرات الدولة، أياً كان مصدره، يستحق موقفًا وطنيًا واضحًا وحازمًا.
لكن الأخطر من العدوان الخارجي هو أن تتحول بعض الأصوات في الداخل إلى أبواق تبرر الاعتداء أو تمجّد المعتدي أو تحاول تصوير استهداف الأردن وكأنه انتصار سياسي.
هنا يجب أن تكون الرسالة واضحة: الاختلاف في الرأي حق، أما التحريض والتهديد وتبرير الاعتداء على الوطن فليست حرية رأي.
نحن لا ندعو إلى إسكات المخالفين، ولا إلى ملاحقة الناس بسبب مواقفهم السياسية، ولكننا نطالب بأن يكون القانون حاضرًا وحازمًا عندما يتحول الخطاب إلى تحريض على العنف، أو تهديد للسلم المجتمعي، أو استهداف لأمن الدولة، أو دعوة إلى الفتنة والانقسام.
وهذا يتطلب من الحكومة والأجهزة المختصة التعامل مع هذه الظواهر بمسؤولية وحزم، بعيدًا عن الانتقائية، بحيث يكون القانون هو الفيصل على الجميع، مهما كانت الأسماء أو المواقع أو الانتماءات.
لقد أثبت الأردن أن قوته لا تقوم على ردود الفعل، وإنما على مؤسسات الدولة وعلى وعي شعبه وعلى تماسك جبهته الداخلية. ولذلك فإن حماية الوطن تبدأ من حماية وحدته الوطنية، ومنع أي جهة خارجية أو داخلية من تحويل الخلافات الإقليمية إلى شرخ داخل المجتمع الأردني.
إن من حق الأردني أن ينتقد الحكومة، وأن يختلف مع السياسات والقرارات، وأن يعبر عن رأيه بكل وضوح، لكن هناك فارقًا كبيرًا بين المعارضة السياسية المشروعة وبين التحريض الذي يستهدف الدولة والمجتمع.
الوطن ليس حزبًا، وليس تيارًا، وليس مشروعًا سياسيًا مؤقتًا. الوطن هو الإطار الذي يجمع الجميع، ومن دونه لا تبقى للسياسة ولا للخلافات أي قيمة.
وفي الظروف الاستثنائية، تظهر معادن الرجال والمواقف. الوطنية الحقيقية لا تُقاس بعدد المنشورات ولا بارتفاع الصوت، وإنما بالوقوف إلى جانب الوطن عندما يكون أمنه وسيادته مهددين.
وعلى الدولة في المقابل أن تكون قوية بالقانون، لا بالانفعال؛ عادلة في المحاسبة، لا انتقائية؛ وحازمة في مواجهة التحريض، مع احترام الحقوق والحريات التي كفلها الدستور والقانون.
فلا يجوز أن تكون حرية التعبير غطاءً للتحريض، ولا أن تتحول المنصات الرقمية إلى أدوات لنشر الفتنة، ولا أن يُسمح لأي جهة بأن تجعل من المجتمع الأردني ساحة لترويج أجندات خارجية.
إن الأردن يحتاج اليوم إلى جبهة داخلية متماسكة، وإلى خطاب وطني مسؤول، وإلى وعي يرفض الانجرار خلف الاستقطاب الإقليمي. فالأردن ليس تابعًا لأحد، ولا ساحة مفتوحة أمام مشاريع الآخرين، وسيادته ليست ورقة تفاوض.
وفي لحظات الخطر، لا تُقاس الوطنية بالشعارات، وإنما بالموقف.
ومن هنا، فإن الرسالة يجب أن تكون واحدة: نختلف في السياسة كما نشاء، وننتقد كما نشاء، لكن لا نختلف على الأردن.
ومن يثبت قانونًا أنه حرض على العنف، أو هدد أمن الدولة، أو دعا إلى الفتنة، أو برر الاعتداء على الوطن، فعليه أن يتحمل مسؤولية كلمته أمام القانون، دون تهاون ودون انتقائية.
فالدولة القوية هي التي تحمي مواطنيها، وتصون حرياتها، وتمنع في الوقت نفسه العبث بأمنها واستقرارها.
الأردن ليس مجرد حدود على خارطة؛ إنه وطن بناه أبناؤه وحموه بتضحياتهم، وسيبقى أمنه وسيادته ووحدته الوطنية فوق كل اعتبار.
وفي النهاية، فإن أخطر ما يمكن أن يواجه الوطن ليس اختلاف أبنائه، وإنما سقوطهم في فخ الكراهية والاصطفاف والولاءات المتصارعة. ولذلك فإن حماية الأردن تبدأ من كلمة مسؤولة، وموقف شجاع، وقانون عادل لا يستثني أحدًا.
الأردن أولًا، وستبقى مصلحته العليا هي المعيار، وسيبقى أمنه واستقراره وسيادته خطوطًا لا يجوز تجاوزها.
د. محمد الجبور
كاتب وباحث

























