د علي الطراونة يكتب: إذا نصيبي من الأردن وطن ….. فنصيبه مني الروح
نبأ الأردن -
ليس الوطنُ قطعةً من الأرض نعيش فوقها، ولا خارطةً نمرّر أصابعنا على حدودها ثم نمضي.
الوطن هو الشيء الذي يسكن فينا قبل أن نسكن فيه، هو الذاكرة التي لا تشيخ، والوجه الذي لا يغيب، والنبض الذي يستمر حتى حين تتعب الأيام.
إذا كان نصيبي من الأردن وطناً، فنصيبه مني الروح.
هكذا يكون الانتماء حين يتجاوز الكلمات، وحين لا يعود الوطن مجرد اسم نردده في المناسبات، بل يصبح عهدًا يسكن أعماقنا، ومسؤولية نحملها في أعناقنا، وكرامة لا نقبل أن تُمس.
الأردن ليس وطنًا عابرًا في حياتنا؛ إنه الحكاية التي بدأت قبل أن نعرف معنى الحكايات، والأرض التي ارتبط اسمها في وجداننا بالأهل والبيت والطفولة والذكريات. هو ترابٌ نحمله في القلب، حتى لو حملتنا الحياة بعيدًا عنه. وهو وطنٌ قد تضيق بنا الدنيا، لكن لا يضيق بنا؛ لأن فيه شيئًا يشبهنا، شيئًا لا نستطيع تفسيره إلا بكلمة واحدة: الانتماء.
وطنٌ كالأردن لا يُحب من بعيد فقط، ولا يُختصر في قصيدة أو أغنية أو صورة لعلم يرفرف في الهواء.
حب الوطن الحقيقي أن تشعر أنك مسؤول عنه، وأن تدرك أن مستقبله ليس شأنًا يخص غيرك، بل هو جزء من مستقبلك ومستقبل أبنائك وأحفادك.
أن تحب الأردن يعني أن تحافظ على كرامته كما تحافظ على كرامتك، وأن ترفع اسمه بالعمل قبل القول، وبالإنجاز قبل الشعارات، وبالأخلاق قبل المظاهر.
فالوطن لا يحتاج إلى أصواتٍ عالية بقدر ما يحتاج إلى قلوبٍ صادقة وأيادٍ تبني وعقولٍ تعمل.
وفي الأردن، تعلّمنا أن القوة ليست دائمًا في كثرة الإمكانات، وإنما في الإنسان الذي يعرف كيف يصنع من القليل الكثير، وكيف يقف شامخًا رغم قسوة الطريق. تعلّمنا أن الأوطان لا تُقاس بمساحتها، وإنما بما تحمله من تاريخ، وما يقدمه أبناؤها من تضحيات، وما يملكونه من إرادة.
وهنا تحديدًا، يصبح السؤال مختلفًا:
ماذا أعطاني الأردن؟
والإجابة ليست فقط: أعطاني أرضًا وجنسيةً وبيتًا وهوية.
بل أعطاني اسمًا أنتمي إليه، ورايةً أرفعها، ولهجةً أعتز بها، وذاكرةً لا أريد لها أن تموت، وأرضًا أشعر أن كل ذرة تراب فيها تعرفني كما أعرفها.
لكن الأهم من ذلك كله أن الأردن أعطاني وطنًا أستطيع أن أقول عنه بكل ثقة:
هذا وطني.
وهذه الجملة وحدها ليست بسيطة كما تبدو؛ إنها مسؤولية كاملة.
فحين نقول "هذا وطني”، فنحن نقول:
سأحمي صورته بأخلاقي.
سأرفع شأنه بعلمي.
سأبني مستقبله بعملي.
سأحفظ وحدته بوعيي.
وسأظل وفيًا له في زمن الرخاء كما في زمن الشدة.
لأن الوفاء للوطن لا يُقاس عندما تكون الطرق سهلة، وإنما يظهر عندما تصبح الطريق صعبة.
وما أجمل أن يكون للإنسان وطنٌ إذا ذُكر اسمه تحرك شيء في صدره.
وما أعظم أن تكون لنا أرضٌ مهما ابتعدنا عنها، بقيت هي الأقرب.
وما أصدق أن يصبح الوطن جزءًا من تعريفنا لأنفسنا.
الأردن ليس فقط المكان الذي وُلدنا فيه؛ الأردن هو المكان الذي وُلد فينا.
ولذلك، إن كان نصيبي من الأردن وطنًا، فلن يكون نصيبه مني مجرد كلمات تُكتب على ورق، ولا هتافات تُقال ثم تنتهي.
نصيبه مني الروح.
روحي التي تنتمي إلى ترابه،
وقلبي الذي ينبض باسمه،
وعملي الذي أتمنى أن يكون لبنةً في مستقبله،
وصوتي الذي لا يتردد في إعلان محبته،
ووفائي الذي لا تغيّره الظروف.
سيبقى الأردن في القلب وطنًا عزيزًا، وستبقى رايته فوق الرؤوس، وسيبقى ترابه أمانةً في أعناقنا.
فالأوطان العظيمة لا تحتاج أبناءً يقولون فقط: نحن نحبك.
بل تحتاج أبناءً يستطيعون أن يقولوا:
نحن لك.
وإذا كان لي من الأردن وطنٌ…
فله مني الروح، وله مني العمر، وله مني كل ما أستطيع أن أقدمه لوطنٍ لا يُستبدل، ولا يُنسى، ولا يُباع.
الأردن وطنٌ يسكننا قبل أن نسكنه…
وما دام في الصدر قلبٌ ينبض، ففيه للأردن مكان.
تحياتي

























