اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

يحيى الحموري يكتب: سوق النفاق،،،، تجار الكرامة وباعة الضمير

يحيى الحموري يكتب:  سوق النفاق،،،، تجار الكرامة وباعة الضمير
نبأ الأردن -
ليس اخطر على الاوطان من الفاسد الذي يعرف انه فاسد؛ فذلك عدو واضح، يمكن ان يفضحه القانون وتطارده الحقيقة.

لكن الاخطر منه هو ذلك الذي يرتدي ثوب النزاهة، ويضع الوقار على كتفيه، ثم يبيع ضميره عند اول باب يفتحه النفوذ.

انه المتملق.

ذلك الذي لا يملك قامته، لان قامته معلقة بحجم من يقف امامه.

ينحني للقوي، ويتعالى على الضعيف، ويصفق قبل ان يفهم، ويوافق قبل ان يسمع، ويمدح قبل ان يعرف. لا يحمل موقفا، بل يحمل بوصلة تشير دائما الى اتجاه القوة.

فاذا تغيرت الريح تغير معها، واذا تبدل صاحب القرار تبدلت لغته، واذا سقط من كان يمدحه كان اول من يرفع عنه يده.

وهنا تبدأ الحكاية الاكثر مرارة:

تملق رخيص، وكرامة مستاجرة، ووجوه تتبدل، ومواقف تتلون، وضمائر على قارعة الطريق، وانحناء بلا كرامة، ومديح بلا قناعة، وقلوب من نفاق، وظهور لا تنحني الا للنفوذ.

المشكلة ليست في المتملق وحده.

المشكلة حين يجد من يكافئه.

حين يصبح التصفيق طريقا اقصر من الكفاءة، والمديح اسرع من الانجاز، والصمت عن الخطأ اكثر امانا من قول الحقيقة.

عندها لا تعود المؤسسة تبحث عن الافضل، بل عن الاكثر ولاء للاشخاص.

وحين يصبح صوت المصفق اعلى من صوت الخبير، يتحول الخطأ الى قرار.

وحين يخاف صاحب الكفاءة من قول الحقيقة، ويطمئن المنافق الى قول ما يحب المسؤول سماعه، فلا تبحثوا عن الحقيقة في الغرفة، لقد خرجت منها.

اخطر ما يمكن ان يحدث في اي مؤسسة ليس وجود المنافقين، بل ان يصبح المنافقون اصحاب نفوذ، وان يصبح الصادقون غرباء.

فالدولة لا تنهض بكثرة المصفقين.

الدولة تنهض بمن يقول للمسؤول: احسنت حين تحسن، واخطأت حين تخطئ.

الولاء الحقيقي ليس ان تقول لصاحب القرار ما يحب ان يسمعه، بل ان تقول له ما ينبغي ان يسمعه.

وكم من قرار كان يمكن اصلاحه لو وجد حول صاحبه رجل واحد لا يخاف.

وكم من خطأ تضخم لان الجميع قالوا: نعم.

وكم من مؤسسة انهكت لان الكفاءات صمتت، بينما ارتفعت اصوات الذين اتقنوا فن الانحناء.

يا اصحاب الكراسي،

لا تصدقوا كل من يصفق.

فبعض التصفيق ليس اعجابا، بل استثمار.

ولا تصدقوا كل من يمدح.

فبعض المديح فاتورة مؤجلة.

ولا تجعلوا من حولكم مرآة واحدة، لان المرآة التي لا تظهر العيوب ليست مرآة، بل ستارة.

ابحثوا عن الرجل الذي يختلف معكم باحترام، وعن الذي يقول "لا” حين تكون "لا” هي الصواب، وعن الذي لا يغير وجهه حين تتغير الكراسي.

فالكبير لا يحتاج الى من ينفخ صورته.

الكبير تكفيه افعاله.

وليس كل من وصل قد وصل.

بعضهم وصل الى المنصب وخسر نفسه، وبعضهم خسر المنصب وربح نفسه.

والفرق بين الاثنين ان الاول يحتاج كل صباح الى مرآة، بينما الثاني يستطيع ان ينظر الى وجهه دون ان يخجل من الذي يراه.

اما المتملق.

فليس رجلا بلا مبدأ فقط.

انه رجل استبدل العمود الفقري بسلم.

كلما وجد كتفا اعلى صعد عليه، وكلما وجد كتفا ادنى داس عليه.

واما المنافق، فليس اخطر ما فيه انه يكذب عليك، بل انه يجعلك بكثرة ما يصفق لك تصدق كذبتك انت.

وهنا تبدأ الكارثة.

حين يتحول مكتب المسؤول الى صدى، والمؤسسة الى مسرح، والقرار الى رغبة، والحقيقة الى ضيف ثقيل.

تسقط الاقنعة.

وتنكمش الجوقة.

ويظهر الرجال.

لان الاوطان لا تحفظ اسماء الذين اكثروا من الانحناء.

الاوطان تحفظ اسماء الذين عاشوا واقفين.

تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions