اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

أ.د أمجد الفاهوم يكتب: قبل إقرار قانون الجامعات.. لا تجعلوا الاستقرار المالي على حساب العاملين والتميز الأكاديمي

أ.د أمجد الفاهوم يكتب: قبل إقرار قانون الجامعات.. لا تجعلوا الاستقرار المالي على حساب العاملين والتميز الأكاديمي
نبأ الأردن -
لا يمكن إصلاح الجامعات بتشريع مالي ينظر إلى الأرقام وحدها، ويتجاهل الإنسان الذي يصنع العملية التعليمية والبحثية والإدارية. فالجامعة لا تقوم بمبانيها وموازناتها وأنظمتها فقط، بل تقوم بأعضاء هيئة تدريس وباحثين وإداريين وفنيين يحمون استمرارية العمل، ويتحملون مسؤولية تعليم الطلبة وخدمتهم والمحافظة على سمعة مؤسساتهم.

ومن هنا، فإن أي تشريع يتناول رواتب العاملين أو حوافزهم أو مصادر دخلهم يجب أن يسبقه حوار مالي وأكاديمي واجتماعي واسع، لأن الأثر لا يتوقف عند حدود الجامعة، بل يصل مباشرة إلى آلاف الأسر التي أصبحت الحوافز جزءاً أساسياً من قدرتها على الوفاء بالتزاماتها المعيشية.

وقد أثار التعديل المتعلق بالمادة الحادية والعشرين من مشروع قانون الجامعات الأردنية لسنة 2026 حالة من القلق، لأنه أجاز صرف نسبة للعاملين من الرسوم المحصلة فعلياً من البرنامج الموازي والبرنامج الدولي لمرحلة البكالوريوس فقط، ومنع صرف الحوافز عن الدراسة الخاصة والدراسات العليا وبرامج الاتفاقيات. وهذا يعني تضييق مصادر الأموال التي يمكن أن تدخل في احتساب الحوافز، وقد يؤدي عملياً إلى تراجع ما يتقاضاه أعضاء الهيئتين التدريسية والإدارية في عدد من الجامعات.

ولا يصح التعامل مع هذه الحوافز باعتبارها مبالغ زائدة يمكن إلغاؤها أو تخفيضها دون آثار حقيقية. ففي جامعات كثيرة، أصبحت الحوافز جزءاً مستقراً من الدخل الذي يعتمد عليه العامل لتغطية أقساط السكن وتعليم الأبناء والعلاج والنقل والقروض ومتطلبات الحياة اليومية. وعندما يستمر صرف دخل معين لسنوات طويلة، وتبني الأسر التزاماتها عليه، فإن تقليصه بصورة مفاجئة لا يمثل مجرد تعديل إداري، بل يشكل صدمة مالية واجتماعية.

المشكلة لا تكمن في مبدأ تنظيم الحوافز أو ضبط الإنفاق. فالمال العام والموارد الجامعية يجب أن تخضع للرقابة، ولا يجوز أن ت
تحول الحوافز إلى باب للصرف غير المنضبط أو إلى امتيازات لا ترتبط بالعمل والإنتاج. لكن الضبط المالي السليم لا يبدأ من تخفيض حقوق العاملين، بل يبدأ من مراجعة الهدر، وضبط النفقات الإدارية، ورفع كفاءة التحصيل، وتطوير البرامج الأكاديمية، واستقطاب الطلبة الوافدين، وتنمية البحث التطبيقي والاستشارات والشراكات الإنتاجية.

وقد أشار نقاش مشروع القانون إلى أن استثناء بعض البرامج من احتساب العوائد سيؤدي إلى انخفاض ما يحصل عليه أعضاء هيئة التدريس من تلك العوائد. وهذه النتيجة تستدعي معالجة واضحة قبل إقرار النص بصورته النهائية، لا تركها للاجتهادات اللاحقة أو للقدرات المالية المتفاوتة بين الجامعات. إن الجامعة التي تريد استقطاب الكفاءات والاحتفاظ بها لا تستطيع أن تفصل بين التميز الأكاديمي والاستقرار المالي. فعضو هيئة التدريس الذي يقدم أبحاثاً نوعية، وينشر في دوريات مرموقة، ويشرف على طلبة الدراسات العليا، ويجلب مشروعات ممولة، ويطور البرامج، ويشارك في الاعتماد والجودة وخدمة المجتمع، يجب أن يجد نظاماً عادلاً يقدر هذا الأداء.

وكذلك الإداري والفني الذي يطور إجراءً، أو يختصر وقت الخدمة، أو يسهم في التحول الرقمي، أو يحسن استخدام الموارد، أو يدعم المختبرات والطلبة والبرامج الدولية، يجب ألا يبقى خارج نظام التقدير. فالتميز الجامعي ليس أكاديمياً فقط، بل هو نتيجة عمل مترابط تشارك فيه مختلف الفئات الوظيفية. لهذا تحتاج الجامعات إلى نظام حوافز يقوم على جزأين واضحين.

الجزء الأول حافز مستقر يحمي المستوى المعيشي للعاملين، ويرتبط بقدرة الجامعة المالية وإيراداتها المتحققة، مع ضمان عدم انخفاضه بصورة مفاجئة عن المستوى الذي استقر عليه العاملون قبل نفاذ التشريع.

أما الجزء الثاني فهو حافز أداء وتميز، يصرف وفق معايير معلنة وقابلة للقياس، تشمل جودة التدريس، والإنتاج البحثي، وبراءات الاختراع، والمشروعات الممولة، والإشراف الأكاديمي، وخدمة الطلبة، وتطوير البرامج، والتحول الرقمي، وكفاءة الإدارة، وجذب الإيرادات، وخدمة المجتمع.

بهذه المعادلة نحمي العامل المجتهد، ولا نساوي بين الأداء المرتفع والأداء المحدود، وفي الوقت نفسه لا نعرض جميع العاملين لخطر تراجع دخلهم الأساسي بسبب قرار مالي لا يفرق بين حقوق الاستقرار وحوافز التميز.

كما ينبغي ربط مراجعة الحوافز بمستوى التضخم وتكاليف المعيشة. فبقاء الراتب أو الحافز بالقيمة النقدية نفسها لسنوات لا يعني بقاء قيمته الحقيقية. عندما ترتفع أسعار الغذاء والسكن والنقل والتعليم والعلاج، تنخفض القوة الشرائية للدخل حتى لو بقي رقمه ثابتاً. ولهذا فإن أي نظام عادل يجب أن يتضمن مراجعة دورية، سنوية أو كل سنتين، تراعي التضخم الرسمي وقدرة الجامعة المالية.

ولا يعني ذلك زيادة تلقائية لا تتحملها الموازنة، بل يعني أن تراجع اللجان المختصة القيمة الحقيقية للدخل، وأن تقدم توصية معللة حول مقدار التعديل الممكن ومصادر تمويله. فالمطلوب موازنة واقعية بين حماية العامل واستدامة المؤسسة، وليس اتخاذ قرارات منفصلة عن الواقع الاقتصادي.

ومن الضروري أيضاً منع التفاوت غير المبرر بين الجامعات الرسمية. فقد تختلف إيرادات الجامعات بسبب موقعها الجغرافي، وأعداد طلبتها، وقدرتها على استقطاب طلبة البرنامج الموازي والدولي، وليس بسبب كفاءة العاملين فيها وحدهم. وإذا ترك تحديد الحوافز لقدرة كل جامعة دون ضوابط وطنية، فقد يتقاضى موظفان يؤديان العمل نفسه دخلاً مختلفاً بدرجة كبيرة لمجرد أن أحدهما يعمل في جامعة ذات إيرادات أعلى.

لذلك يجب وضع حد وطني أدنى للحوافز المستقرة، مع ترك مساحة لكل جامعة لمنح حوافز إضافية مرتبطة بالإنتاج والتميز والموارد المتاحة. ويحقق ذلك قدراً من العدالة بين الجامعات، ويحافظ في الوقت نفسه على استقلالها ومرونتها المالية.

ويجب ألا يقود تنظيم الحوافز إلى إضعاف برامج الدراسات العليا أو البرامج الدولية أو الاتفاقيات الأكاديمية. فهذه البرامج تحتاج إلى جهد إضافي في التدريس والإشراف والإدارة والمتابعة والجودة، كما أنها تمثل مورداً مالياً وعلمياً مهماً للجامعات. وإذا مُنع العاملون من الحصول على مقابل عادل عن الأعباء الإضافية، فقد تتراجع الرغبة في المشاركة فيها، وتتأثر جودة تنفيذها واستمراريتها.

والقاعدة العادلة هنا بسيطة. من يؤدي عملاً إضافياً حقيقياً، وتتحقق للجامعة منه إيرادات فعلية، يجب أن يحصل على مقابل معلوم وعادل وفق أسس شفافة، بعد اقتطاع تكلفة البرنامج وحصة الجامعة المخصصة للتطوير والاستدامة.

كما ينبغي ألا تصدر تشريعات مالية تمس العاملين دون دراسة أثر مسبقة. يجب أن تبين الدراسة عدد المتأثرين، ومقدار الانخفاض المتوقع في دخل كل فئة، والفروق بين الجامعات، وأثر القرار في استقطاب أعضاء هيئة التدريس والاحتفاظ بهم، وانعكاسه على الدراسات العليا والبحث العلمي والبرامج الدولية.

ويفترض كذلك إشراك ممثلين عن أعضاء الهيئتين التدريسية والإدارية، ورؤساء الجامعات، ومجالس الأمناء، والخبراء الماليين، قبل إقرار أي تعديل يمس الحوافز. فالحوار هنا ليس إجراءً شكلياً، بل وسيلة لاكتشاف آثار قد لا تظهر عند صياغة النص القانوني داخل المكاتب.

ويمكن أن يتضمن النص التشريعي المقترح ضمانات واضحة، على النحو الآتي: يجوز للجامعة الرسمية صرف حوافز لأعضاء الهيئتين التدريسية والإدارية من إيرادات البرامج الموازية والدولية والدراسات العليا والدراسة الخاصة وبرامج الاتفاقيات والاستشارات والمشروعات والموارد الذاتية الأخرى، وفق نظام يصدر لهذه الغاية، وبما يحقق العدالة والتميز الأكاديمي والبحثي والإداري والاستدامة المالية، على ألا يؤدي تطبيق أحكام هذه المادة إلى تخفيض إجمالي الحوافز المستقرة التي كان يتقاضاها العامل عند نفاذ القانون، وتراجع قيمتها دورياً في ضوء معدلات التضخم الرسمية والقدرة المالية للجامعة.

ويمكن إضافة نص انتقالي يحمي العاملين من أي تراجع مفاجئ، بحيث تستمر الجامعات في تطبيق أنظمة الحوافز القائمة مدة لا تقل عن ثلاث سنوات، إلى أن يقر نظام جديد بصورة تدريجية، وبعد إجراء دراسة مالية لكل جامعة.

كما يمكن إنشاء صندوق وطني لدعم استقرار الجامعات الأقل قدرة، يمول من جزء من الدعم الحكومي وعوائد المشروعات الوطنية ونسبة محددة من إيرادات التعليم الدولي، ويستخدم لضمان الحد الأدنى من الحوافز ودعم البحث العلمي والتخصصات التي تحتاجها الدولة.

إن الاستقرار المالي للعاملين ليس نقيضاً للاستقرار المالي للجامعة. فالجامعة المستقرة تحتاج إلى موظف مطمئن، وباحث قادر على الإنتاج، وأستاذ لا يفكر في مغادرة مؤسسته، وإداري يشعر أن جهده مقدر. كما أن حماية العاملين لا تعني إبقاء أنظمة الحوافز دون مراجعة، بل تعني إصلاحها بعدالة وشفافية وتدرج.

ولا يجوز أن ينتهي الإصلاح إلى جامعة توفر المال على حساب العامل، ثم تخسر الكفاءة والانتماء والإنتاجية والجودة. فالوفورات التي تتحقق من تخفيض الحوافز قد تبدو إيجابية في الموازنة خلال عام واحد، لكنها قد تتحول لاحقاً إلى تكلفة أكبر بسبب تسرب الكفاءات، وضعف البحث العلمي، وتراجع جودة البرامج والخدمات.

المطلوب قبل إقرار أي تشريع هو التوقف عند أربعة مبادئ لا ينبغي تجاوزها. حماية الدخل المستقر للعاملين، وربط الحوافز الإضافية بالأداء الحقيقي، ومراعاة التضخم، وضمان قدرة الجامعة على الاستمرار دون عجز مالي.

وعندما يحقق التشريع هذه المبادئ، يصبح وسيلة للإصلاح. أما عندما يتجاهلها، فإنه قد يعالج رقماً في الموازنة، لكنه يخلق مشكلة أوسع داخل الجامعة والمجتمع.

إن الجامعات الأردنية بحاجة إلى تشريع يحفز التميز ويحمي الحقوق ويضبط الإنفاق وينمي الإيرادات. وهي بحاجة إلى رسالة واضحة للعاملين فيها مفادها أن الإصلاح لن يكون على حساب استقرارهم، وأن التميز سيجد التقدير الذي يستحقه، وأن كل قرار مالي سيصدر بعد دراسة أثره في الإنسان والمؤسسة معاً.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions