اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

م. صلاح طه عبيدات يكتب: اخلع نعليك يا دواج...

م. صلاح طه عبيدات يكتب: اخلع نعليك يا دواج...
نبأ الأردن -
اخلع نعليك يا دواج...
ليس لأن الأرض تطلب ذلك، بل لأن الوطن لا يُدخَل بالأقدام قبل الضمير، ولا يُقاس بطول الطريق إليه، بل بعمق الوفاء له. ففي حضرة الوطن، تنحني الكلمات قبل الرؤوس، وتصمت الذاكرة إن لم تكن عادلة.
اخلع نعليك...
فأنت تطأ ثرى وطنٍ لم تُشيّده الحجارة وحدها، بل شيدته تضحيات الرجال، وصبر الأمهات، وعرق البنّائين، ودماء الشهداء. وطنٌ لم يكتسب هيبته من صلابة الإسمنت، وإنما من صلابة الإنسان؛ لأن العمران قد يشيخ، أما القيم التي تبني الدول فلا تهرم.
اخلع نعليك يا دواج...
وأنت تدوس ثرى الأردن الطاهر، المضمخ برجولة كايد المفلح العبيدات، والمجبول بشهامة وصفي التل، وشموخ هزاع المجالي، وبطولة محمود الموسى العبيدات على تراب فلسطين. فالأرض التي تحفظ أسماء رجالها، لا تقبل أن تُقرأ بذاكرةٍ عابرة أو بانطباعٍ مؤقت.
اخلع نعليك...
فأنت في عمّان؛ مدينةٍ لا تتحدث بلسان الإسمنت، بل بلسان الحضارة. فيلادلفيا الأمس، وربة عمون الأزل، وعاصمة العروبة التي لم تكن يومًا مجرد مكان، بل كانت معنىً يتجاوز الجغرافيا، ورسالةً تتجاوز الزمن.
اخلع نعليك يا دواج...
وأنت تدخل الأردن تلتمس دفء أهله، وكرم شعبه، وحكمة دولته، وتاريخه الذي لم يُكتب بالحبر وحده، بل كُتب بالصبر، وبالاعتدال، وبالقدرة على أن يبقى وطنًا حين ضاقت الأوطان بكثيرين.
اخلع نعليك...
وطهّر لسانك من كل ذاكرةٍ تُجيد استحضار التفاصيل، وتُخفق في رؤية الحقيقة. فالوطن لا يُعرف بما كان ينقص بيوته، بل بما كان يفيض من رجاله. وما أكثر البيوت المتواضعة التي أنجبت عظماء، وما أكثر القصور التي لم تنجب سوى الصدى.
شدَّ رحالك، واستحثَّ خطاك، وأنت تعبر حدود الأردن، لتدرك أن هيبة الوطن لا تُقاس بطول الإقامة فيه، بل بصدق الانتماء إليه. فربَّ عابرٍ عرف قدر الوطن أكثر من مقيم، وربَّ مقيمٍ عاش فيه عمرًا ولم يُبصر معناه.
يا دواج...
إن أكثر ما يؤلم الوطن ليس النقد؛ فالنقد حياة، وإنما أن يُختزل في صورةٍ جزئية، أو ذكرى عابرة، أو تجربةٍ فردية، وكأن الحقيقة كلها تُحاكم من نافذةٍ واحدة. فالعقل الكبير لا يجعل الاستثناء قانونًا، ولا التفصيل وطنًا.
كان الأجدر، حين استدعيت الماضي، أن يكون التاريخ شاهدًا لا متهمًا، وأن يكون السياق مفتاحًا للفهم لا أداةً للإدانة. فلكل زمن معاييره، ولكل مرحلة ظروفها، ولا تُحاكم الأمم بمنطقٍ اقتُطع من سياقه.
اخلع نعليك يا دواج...
وتذكر أن البيوت القديمة لم تكن تُقاس بعدد مرافقها، بل بعدد المبادئ التي خرجت منها. فمنها خرج رجالٌ بنوا الدولة، وأقاموا المؤسسات، وحرسوا الحدود، وحملوا المسؤولية يوم كانت المسؤولية تكليفًا لا تشريفًا، وواجبًا لا مكسبًا.
هناك فرقٌ بين أن تستحضر الماضي لتفهمه، وأن تستحضره لتختزله. وفرقٌ بين أن تراجع تجربةً، وأن تُلقي بظلها على وطنٍ بأكمله.
فالوطن لا يُختصر في الجدران، كما لا يُختصر الإنسان في ثوبه. لأن القيمة ليست فيما نملك، بل فيما نكون. وليست في شكل المكان، بل في المعنى الذي يصنعه الإنسان فيه.
اخلع نعليك يا دواج...
فالأردن ليس لحظةً في ذاكرة، بل قرنٌ من بناء الدولة، وصناعة الاعتدال، وحفظ الكرامة، والوفاء للعهد. وليس روايةً يكتبها فرد، بل سيرة شعبٍ كامل، تعاقبت عليه المحن فازداد رسوخًا، وتعاقبت عليه التحديات فازداد ثباتًا.
إن الوفاء للوطن ليس التزامًا قانونيًا، بل منزلةٌ أخلاقية لا يبلغها إلا من أدرك أن المناصب تزول، والأشخاص يرحلون، أما الوطن فيبقى شاهدًا على الجميع، يحفظ الكلمات كما يحفظ المواقف، ويمنح الخلود لمن أنصفه، ويترك للتاريخ أن يحاكم من جفاه.
اخلع نعليك يا دواج...
ليس هيبةً للأرض وحدها، بل إجلالًا لذاكرة وطنٍ أكبر من الأشخاص، وأعمق من الانطباعات، وأبقى من الروايات العابرة. فمن عرف قيمة الوطن، عرف أن الوفاء ليس موقفًا سياسيًا، بل فضيلةٌ أخلاقية، وأن احترام الوطن هو أول امتحانٍ لاحترام الإنسان لتاريخه... ولنفسه.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions