اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

عبدالله بني عيسى يكتب : عن "حفل البترا"

عبدالله بني عيسى يكتب : عن حفل البترا
نبأ الأردن -
كثيرون يرون في البتراء اليوم مجرد مدينة منحوتة من الصخر، جميلة مدهشة يحبها السياح ويأتونها من جهات الكون الأربع، لكن قلة ترى الإرث الحضاري للمدينة الممتد عبر آلاف السنين.
البتراء لم تكن يوماً مدينة منغلقة أو خائفة من الآخر. هذه المدينة قامت أساساً على فكرة العبور والتعدد والانفتاح. كانت موسماً دائماً للقوافل والتجار والحجاج والوفود القادمة من الجزيرة العربية والشام ومصر والبحر المتوسط. فيها اختلطت اللغات والملابس والموسيقى والطقوس والعادات، ومنها صنع الأنباط ثروتهم ونفوذهم.
حتى عمارتها لم تُبنَ بعقلية التقشف والانغلاق، بل بعقلية الإدهاش والاستعراض البصري والاحتفال بالحياة. المسرح الضخم المنحوت في الصخر، الساحات العامة، الولائم، المواكب، الأعياد الموسمية، كل ذلك يقول إن البتراء لم تكن مجرد محطة تجارية، بل مدينة نابضة بالحركة والعروض والاحتفالات.
يمكن للناس أن يختلفوا حول ذوق أي فعالية أو حدودها أو طبيعتها، وهذا حق طبيعي. لكن تحويل أي نشاط فني أو موسيقي إلى معركة أخلاقية وهوياتية، وكأن الأردن لم يعرف عبر تاريخه سوى صورة واحدة للحياة، فيه قدر كبير من القطيعة مع تاريخ هذه الأرض نفسها.
الأردن اليوم بحاجة إلى السياحة أكثر من أي وقت مضى. والمنطقة كلها تعيش على إيقاع الحروب والخراب والانكماش الاقتصادي. والبتراء تحديداً ليست مجرد أثر تاريخي، بل مورد حياة لعائلات ومجتمعات كاملة. والسياحة الحديثة لا تقوم فقط على مشاهدة الحجارة، بل على صناعة التجربة الإنسانية حول المكان.
ثم إن احترام حرية الآخرين لا يعني بالضرورة تبني خياراتهم الشخصية أو الفنية. بإمكانك ألا تحضر حفلاً، وألا يعجبك نمطه، لكن من الصعب أن نقنع العالم بأن مدينة صنعت مجدها من الانفتاح على البشر والقوافل والثقافات، يجب أن تتحول اليوم إلى مساحة محرمة ترفض الموسيقى والرقص والاختلاف.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions