د. وليد العريض يكتب: كلمة الاستقلال الأردن… يا عشق الروح والتراب
نبأ الأردن -
ليس الوطنُ حدودًا مرسومة على الخرائط، ولا مجرد اسمٍ نحمله في جواز السفر، بل هو ذلك الشعور العميق الذي يسكن القلب كلما مررنا في شارعٍ قديم، أو رأينا سنبلة قمحٍ تنمو في أرضنا، أو سمعنا دعاء أمٍّ أردنية لأبنائها وهم يحملون تعب الحياة بصبرٍ وكبرياء، ولذلك فإن الأردن بالنسبة إلينا ليس دولةً فقط، بل حكاية عشقٍ بين الإنسان والتراب، وبين الكرامة والحلم، وبين الماضي الذي نفتخر به والمستقبل الذي نريد أن نصنعه بأيدينا؛؛
وفي كل عيد استقلال، لا نريد أن يكون الاحتفال مجرد أغانٍ وأعلامٍ وخطبٍ عابرة، بل نريده مناسبةً نسأل فيها أنفسنا: ماذا أنجزنا لهذا الوطن؟ لأن الاستقلال الحقيقي لا يُقاس بعدد السنوات، بل بعدد الإنجازات التي تحفظ كرامة المواطن وتصنع له حياةً أفضل، فالوطن الذي لا يتقدم يتراجع، والوطن الذي يكتفي بالشعارات يستهلك أحلام أبنائه بدل أن يبنيها.
لقد تعب الأردني من الاكتفاء بعبارة "نحن أفضل من غيرنا" ، لأن الشعوب الحية لا تبني مستقبلها على مقارنة نفسها بالمتعبين، بل على الطموح بأن تكون من الأفضل في العالم، ولذلك فإن الأردن يستحق أن يتحول إلى نموذجٍ في الإنتاج والتعليم والصناعة والزراعة والسياحة، وأن يصبح وطنًا يشبه الدول التي صنعت نهضتها بالإرادة والعلم واحترام الإنسان، فنحن لا ينقصنا العقل ولا الكفاءة ولا الانتماء، بل نحتاج فقط إلى مشروع نهضة يؤمن بالعمل والعدالة والإنجاز.
إن الأردن ليس وطنًا فقيرًا كما يحاول البعض أن يصوره، بل وطنٌ غنيٌّ بأبنائه، بالعقول التي نجحت في كل مكان، وبالشباب القادر على الإبداع متى وجد الفرصة، ولذلك نريد اقتصادًا يعتمد على الإنتاج لا على الانتظار، وزراعةً تحمي أمننا الغذائي، وصناعةً تفتح أبواب العمل، وسياحةً تليق بتاريخ هذا البلد العظيم الممتد من البتراء إلى جرش ووادي رم، لأن الأوطان الكبيرة لا تعيش على التبرير، بل على استثمار ما تملكه من طاقات وثروات.
ولا يمكن لأي وطن أن ينهض ما دام الفساد يسرق تعب الناس وأحلامهم، لأن الفساد ليس سرقة مالٍ فقط، بل سرقة مستقبل، وقتل ثقة المواطن بوطنه، ولذلك فإن محاربة الفساد ليست شعارًا إعلاميًا، بل واجبٌ وطني وأخلاقي، لأن العدالة وحدها هي التي تجعل المواطن يشعر أن هذا الوطن له، وأن تعبه لن يضيع خلف الواسطة والمحسوبية.
كما أننا نريد أردنًا ديمقراطيًا حقيقيًا، يشعر فيه المواطن أن صوته مسموع، وأن حرية التعبير حقٌّ لا خوف منه، لأن الوطن القوي لا يخشى الكلمة الصادقة، بل يخشى الصمت الذي يُخفي الأخطاء حتى تكبر، فحب الوطن لا يعني التصفيق الدائم، بل يعني أن نحلم له بالأفضل، وأن نشارك في حماية مستقبله بالوعي والنقد الصادق والعمل.
ونريد أيضًا أن نتجاوز كل العبارات التي فرّقت الناس وأتعبت الوجدان الوطني طويلًا، فلا معنى بعد اليوم لحديث "شتى المنابت والأصول" ، لأننا جميعًا أردنيون، يجمعنا هذا التراب وهذه الراية وهذا المصير، المسلم والمسيحي، ابن المدينة والريف والبادية والمخيم، فالأردن لا يقوم إلا بجميع أبنائه، والوطن الحقيقي هو الذي يشعر فيه الجميع أنهم شركاء في الحب والانتماء والمسؤولية.
ويا أردن… يا عشق الروح والتراب، ستبقى في قلوبنا وطنًا أكبر من التعب، وعاش الأردن عربيًا هاشميًا، آمنًا مستقلًا، حاملًا على كتفيه قضايا أمته، وفي مقدمتها قضيته الأولى؛ قضية فلسطين، التي بقيت في وجدان الأردنيين قضية حقٍّ وكرامة، وسيبقى الأردن وفيًّا لعروبته وتاريخه ورسالته، ما بقي في هذا الوطن قلبٌ ينبض بحبه، وصوتٌ يقول بفخر: هذا الأردن… وطنٌ لا يُشبه إلا نفسه.
























