محمد بني سلامة يكتب : الفيصلي… حين تتحول قضية نادٍ إلى اختبار للدولة
نبأ الأردن -
لم يعد الحديث عن النادي الفيصلي شأناً رياضياً عابراً، ولا مجرد نقاش يتعلق بإدارة نادٍ أو تشكيل لجنة مؤقتة، بل أصبح قضية تمسّ الوعي الوطني الأردني، وتختبر طريقة تعامل الدولة مع مؤسساتها الرمزية والتاريخية.
فالفيصلي ليس مجرد فريق كرة قدم، بل جزء أصيل من السردية الوطنية الأردنية، ومن الذاكرة الجمعية للدولة والمجتمع. هذا النادي الذي تأسس منذ عقود طويلة، لم يكن مجرد مؤسسة رياضية، وإنما حالة وطنية وثقافية واجتماعية، ارتبط اسمه بهيبة الدولة الأردنية، وبمشاعر الأردنيين، وبصورة الأردن في المحافل الرياضية العربية والآسيوية.
ومن هنا، فإن أي مقاربة لملف الفيصلي بمعزل عن هذه الرمزية، أو التعامل معه باعتباره ملفاً إدارياً عادياً، هو خطأ سياسي ومعنوي قبل أن يكون خطأ تنظيمياً.
القضية اليوم لا تتعلق فقط بمن سيكون رئيس اللجنة المؤقتة، ولا بمن يفوز ببطولة أو يخسر مباراة، بل تتعلق بمكانة الفيصلي ودوره وحضوره وهيبته، وبحق جماهيره في أن تكون شريكاً حقيقياً في تقرير مستقبل ناديها.
ما يثير القلق ليس فقط الجدل الدائر حول الأسماء المطروحة، وإنما الشعور العام لدى جمهور الفيصلي بأن هناك إدارة فوقية للملف، وأن القرارات قد تُتخذ بعيداً عن المزاج الشعبي للنادي، وبمعزل عن إرادة جماهيره وأعضائه.
وهنا تكمن المشكلة الحقيقية.
ففي الدول التي تحترم مؤسساتها المدنية والرياضية، يتم التعامل مع الأندية الكبرى باعتبارها جزءاً من الاستقرار المجتمعي والرمزية الوطنية، لا باعتبارها ساحات لتصفية الحسابات أو فرض الترتيبات الضيقة.
الفيصلي أكبر من أي اسم مطروح، وأكبر من أي مسؤول، وأكبر من أي لجنة مؤقتة. ولذلك فإن الحفاظ على مكانته يتطلب إدارة الملف بحكمة وهدوء وشراكة حقيقية مع جمهوره، لا عبر القرارات المفاجئة أو فرض الوقائع.
والأهم هنا، أن مسؤولية ما يجري لا ينبغي اختزالها في وزير أو جهة بعينها، لأن القضية في جوهرها هي مسؤولية الحكومة بكل مؤسساتها، باعتبار أن إدارة الملفات الحساسة ذات البعد الشعبي والوطني تحتاج إلى رؤية سياسية شاملة، لا إلى معالجات إدارية ضيقة.
الحكومة مطالبة اليوم بأن تتعامل مع ملف الفيصلي بروح المسؤولية والعقلانية، بعيداً عن أي حسابات شخصية أو مراكز قوى أو ترتيبات لا تراعي حساسية المشهد. فالأردن يمر بمرحلة تحتاج إلى تعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع، لا إلى خلق أزمات جديدة أو توسيع فجوة الاحتقان.
ومن الحكمة أن تدرك الحكومة أن جماهير الفيصلي ليست مجرد جمهور رياضي، بل شريحة واسعة من الأردنيين الذين يرون في هذا النادي جزءاً من هويتهم الوطنية وذاكرتهم العامة. وأي تجاهل لهذه الحقيقة قد يؤدي إلى حالة من الغضب والاحتقان كان بالإمكان تجنبها بالحوار والتفاهم واحترام إرادة الجمهور.
إن المطلوب اليوم ليس التصعيد، بل الوصول إلى صيغة وطنية تحافظ على مكانة الفيصلي وتعيد الثقة لجماهيره، وتؤكد أن الدولة لا تنظر إلى المؤسسات الرياضية الكبرى بعقلية الوصاية، وإنما بعقلية الشراكة والاحترام المتبادل.
فالفيصلي لم يكن يوماً مجرد نادٍ رياضي، بل كان دائماً عنواناً لحالة وطنية أردنية خاصة، ومن مصلحة الجميع أن يبقى كذلك، بعيداً عن التجاذبات والصفقات والحسابات الضيقة.
وفي النهاية، فإن الحكومات الذكية هي التي تعرف كيف تحتوي الأزمات قبل انفجارها، وكيف تُصغي لصوت الناس، وتحترم الرموز الوطنية الجامعة، لأن الحفاظ على الاستقرار لا يكون فقط بالقرارات، بل ببناء الثقة وصون الكرامة العامة واحترام الإرادة الشعبية.
























