د. عبدالله محمد القضاه يكتب: لا تعاقبوا الكفاءة لأن لها قريبًا في السلطة
نبأ الأردن -
في كل مرة يُعلن فيها عن تعيين مسؤول أو مدير عام في الأردن، سرعان ما تنعقد محكمة الإشاعات والأحكام المسبقة في الفضاء العام. وكأن المعضلة الحقيقية في المشهد الإداري الأردني قد تحولت إلى وجود كفاءات لها أقارب في مواقع القرار، بدلاً من التركيز على إشكالية وصول غير الأكفاء إلى تلك المواقع تاريخياً.
إن الضجة التي أثيرت مؤخراً حول تعيين السيد مهند الصفدي مديراً عاماً لمؤسسة الإذاعة والتلفزيون، لمجرد أن شقيقه يشغل منصب وزير الخارجية، تكشف عن خلل عميق في فهمنا لمفهوم العدالة الوظيفية ومعايير التعيين السليمة. فهل من المنطق أن يُحرم الفرد من حقه المهني المشروع، ومن فرصة خدمة وطنه، فقط لأن أحد أقاربه يشغل منصباً عاماً؟ وهل تحولت القرابة العائلية إلى تهمة إدارية تستوجب الإقصاء؟ وهل باتت الدولة تعاقب الكفاءة بدلاً من مكافأتها واحتضانها؟
إن المعيار الحقيقي والوحيد لأي تعيين يجب أن يكون واضحاً وبسيطاً: هل يمتلك الشخص المعني الخبرة، الكفاءة، والقدرة المثبتة على إدارة المؤسسة وتحقيق أهدافها؟ أم لا؟ إن الانجرار إلى منطق "هذا أخو فلان” أو "قريب علان” هو انحدار خطير نحو عقلية تصفوية اجتماعية لا تمت بصلة إلى مبادئ بناء الدولة الحديثة القائمة على المؤسسية والشفافية وتكافؤ الفرص.
والمفارقة المؤلمة أن الواقع يشهد على حالات عديدة حُرم فيها أردنيون أكفاء من حقوقهم الوظيفية، ليس لقصور في قدراتهم، بل لمجرد وجود أقارب لهم في مواقع عامة. فكم من مسؤول كفؤ نافس على موقع قيادي، واستوفى كافة الشروط، وتم ترشيحه بجدارة، ليُفاجأ بإيقاف تعيينه بقرار غير مبرر، فقط لأن أحد أفراد عائلته كان يشغل منصباً آخر. في مثل هذه الحالات، لا يُحاسب الشخص على ضعف أدائه، بل على نجاح قريبه. ولا يُنظر إلى خبرته وإنجازاته، بل إلى اسمه العائلي. والنتيجة غالباً ما تكون جلب شخص أقل كفاءة من خارج المؤسسة، ليغادر الموقع لاحقاً دون ترك أي بصمة إيجابية.
هذا ليس عدلاً، بل هو ظلم مقنّع يختبئ خلف شعار "مكافحة الواسطة والمحسوبية”. فبينما نرفض الواسطة والمحسوبية بكل أشكالها، يجب أن نعي أن تحويل أصحاب الكفاءة إلى ضحايا لمجرد وجود أقارب لهم في السلطة هو شكل آخر من أشكال العبث الإداري الذي يضر بالمصلحة العامة. فكما أن تعيين غير المستحق فساد، فإن حرمان المستحق من حقه خوفاً من كلام الناس أو تجنباً للشبهات هو أيضاً فساد، لأنه يقتل الثقة بالدولة ومؤسساتها، ويُشعر الموظف أن اجتهاده وتميزه لن يحمياه لا من المحسوبية ولا من الشعبوية.
إن الدولة القوية لا تخشى الأسماء أو القرابات، بل تخشى الفشل في تحقيق التنمية والتقدم. والمؤسسات لا تُدار بمنطق "كيف سيبدو التعيين إعلامياً؟”، بل بمنطق "من هو الأقدر على الإنجاز وتحقيق الأهداف؟”. وإذا كان الشخص كفؤاً ومستحقاً، فإن وجود قريب له في السلطة لا يجب أن يتحول إلى لعنة وظيفية تلاحقه طوال حياته المهنية.
لقد أضرت بنا ثقافة الشبهة والاتهام المسبق أكثر مما أضرت بنا أحياناً الواسطة نفسها. فأصبح بعض المسؤولين يتخذون قرارات ظالمة وغير منطقية فقط لتجنب الانتقاد الشعبي، بدلاً من تحقيق العدالة والمصلحة العامة. وبدل أن نحاسب المسؤول على نزاهة الإجراءات ونتائج العمل، أصبحنا نحاكم الأفراد على أسمائهم وعائلاتهم وصلاتهم الاجتماعية.
الأردن اليوم، وهو يتطلع نحو مستقبل أفضل، بحاجة ماسة إلى ترسيخ ثقافة جديدة تقول بوضوح” : لا حصانة لأحد بسبب قرابته، لكن أيضاً لا عقوبة على أحد بسبب قرابته".
فالوظيفة العامة ليست ملكاً لعائلة أو فئة، لكنها أيضاً ليست منطقة محظورة على كل من له قريب في الدولة. والإنصاف الحقيقي لا يتحقق بمنع الناس من حقوقهم المشروعة، بل بإعطاء كل ذي كفاءة حقه كاملاً، دون خوف من المزايدات، ودون محاكم شعبوية تُصدر أحكامها قبل أن ترى الإنجاز. إن الدول تُبنى بالكفاءات، وتزدهر بالعدالة، لا بتصفية الكفاءات أو إقصاء المتميزين.
* أمين عام وزارة تطوير القطاع العام سابقا.


























