د. وليد العريض يكتب:من حكايات الغابة التي لا يستجاب فيها الدعاء " حين غضب الفيل لأن التنين لم يفرش له السجاد الأحمر"
نبأ الأردن -
في ليلةٍ رطبةٍ من ليالي الغابة التي لا يُستجاب فيها الدعاء وبينما كانت الضباع السياسية تتعارك فوق بقايا الموائد وكانت الببغاوات الرسمية تواصل بثّ أناشيد العظمة والانتصارات الوهمية من فوق أغصانٍ يابسة، وصلني اتصالٌ طويلٌ من الطاووس الإمبراطوري، ذلك الطاووس الذي اعتاد أن يقيس حجم العالم بعدد المخلوقات التي تقف له احترامًا وعدد السجاد الأحمر المفروش تحت مخالبه وعدد الكاميرات التي تلاحق ريشه الملون أينما ذهب؛ لكن صوته هذه المرة لم يكن صاخبًا كما عرفته الغابة، بل كان متعبًا، متوترًا، يشبه طائرًا فقد شيئًا أثمن من الريش؛ فقد هيبته أمام القطيع.
قال لي بصوتٍ حاول أن يبدو حادًا لكنه كان مليئًا بالمرارة: يا صقر الغابة… هل تابعت زيارة الدبّ إلى مملكة التنين؟ فقلت له: نعم، بدت زيارة ثقيلة الوزن، فيها رسائل أكثر من الكلمات وابتسامات أقلّ من الحسابات؛ عندها تنهد الطاووس طويلًا وقال: رأيت كيف وقف التنين بنفسه على أبواب المدينة ليستقبل الدبّ وكيف ارتجّت الساحات بالأعلام والطبول، بينما أنا، أنا الذي كنت أعتقد أن الغابة كلها تدور حول ريش جناحي، لم أجد عند وصولي سوى بعض الموظفين الصغار وابتساماتٍ باردة لا روح فيها.
ثم تابع بعصبيةٍ واضحة: هل يُعقل أن يُعامل الدبّ وكأنه شريكٌ في حكم الغابة، بينما أُعامل أنا كضيفٍ عابر؟ فقلت له ساخرًا: يبدو أن التنين يعرف جيدًا كيف يفرّق بين من جاء ليعقد تحالفًا ومن جاء يبحث عن صفقة أو صورة تذكارية؛ فغضب الطاووس أكثر وانتفش ريشه حتى كدت أسمع احتكاكه عبر الهاتف وقال: أنا لستُ طاووسًا عابرًا، أنا سيّد الغابة الكبرى وكل الممالك الرملية تقف حين أمرّ وتُشعل المواقد وتُطلق الرقصات وتفتح خزائن الذهب والطائرات والهدايا، بل إن بعض الحيوانات الصغيرة تدفع الإتاوات فقط لتحظى بصورةٍ بجانبي.
ضحكت وقلت له: نعم… نعرف ذلك، فالببغاوات لم تترك شجرةً إلا وعلّقت عليها صورك، لكن يبدو أن التنين لا يتأثر كثيرًا بالألوان اللامعة؛ فسكت قليلًا ثم قال بصوتٍ أخفض: المشكلة ليست هنا فقط، المشكلة أنني بدأت أشعر أن الغابة تتغيّر وأن بعض الحيوانات لم تعد ترتجف حين أصرخ، بل إن بعضها صار يبتسم ساخرًا وكأنه يعرف شيئًا لا أعرفه.
قلت له: ربما لأن الصراخ الطويل يُتعب حتى أكثر الحناجر قوة وربما لأن التهديد المستمر يفقد مفعوله حين لا يتبعه فعل؛ فقال بعصبية: أنا أستطيع قلب الغابة رأسًا على عقب متى شئت، أستطيع إغلاق البحار وخنق الممرات وإشعال السماء نارًا؛ فقلت له: لكنك لم تستطع حتى الآن فتح المضيق الصغير قرب بحار النفط، بل إن الأسماك نفسها بدأت تسخر من سفنك والسلاحف البحرية باتت تحفظ خطاباتك عن ظهر قلب.
ساد الصمت للحظة، ثم اقترب الطاووس من الهاتف وقال همسًا: بيني وبينك… هناك من سحب مني بعض المفاتيح المهمة ويبدو أن كثيرين داخل القصر لم يعودوا يثقون بريشي كما في السابق؛ عندها فهمت أن الطاووس لم يكن غاضبًا من التنين وحده، بل من صورة نفسه التي بدأت تتشقق أمام عينيه.
ثم عاد فجأة إلى نبرة الاستعراض وقال: على كل حال، انقل للتنين رسالة مني، قل له إنني ما زلت أريده صديقًا وإن أبواب الغابة الكبرى مفتوحة لاستثماراته، لأن خزائننا لم تعد ممتلئة كما كانت ولأن كثيرًا من رؤوس الأموال بدأت تهاجر نحو الشرق، لكن أخبره أيضًا ألا يقترب كثيرًا من جزيرة الطاووس في البحر البعيد، فهناك حدود لا يجوز للتنين أن يتجاوزها.
أغلقت الهاتف أخيرًا ووقفت أتأمل الغابة تحت ضوء القمر، فرأيت الدبّ يسير بخطواتٍ بطيئةٍ لكنه واثق والتنين يراقب الجميع بعينين باردتين لا تكشفان شيئًا، أما الطاووس الإمبراطوري فكان ما يزال يدور في الساحات ناشرًا ريشه وهو يصرخ بأنه الأقوى والأعظم والأكثر جمالًا، في وقتٍ كانت فيه معظم حيوانات الغابة قد بدأت تدرك حقيقةً بسيطة؛ أن المخلوقات التي تبالغ في استعراض قوتها، تكون غالبًا أكثر الكائنات خوفًا من لحظة انكشاف ضعفها.


























