بين توسيع الديمقراطية في البلديات وتقييدها في مجالس المحافظات
نبأ الأردن -
تكشف مسودة تعديلات قانون الإدارة المحلية عن مفارقة تشريعية لافتة ففي الوقت الذي توسعت فيه المواد المتعلقة بالبلديات تفصيلاً وصلاحيات وآليات انتخاب، جاءت النصوص الخاصة بمجالس المحافظات مقتضبة ومحدودة، بما يعكس تفاوتاً واضحاً في النظرة القانونية والسياسية بين المؤسستين.
فالبلديات حظيت من المادة الرابعة بمسوده القانون وحتى المادة السادسة والثلاثين بتنظيم واسع ومفصل، بينما اختُزلت مجالس المحافظات في ست مواد فقط، رغم أنها تمثل أحد أهم أدوات التنمية واللامركزية على مستوى المحافظات.
وهذا الاختلال لا يبدو شكلياً فقط، بل يمتد إلى جوهر التمثيل الشعبي، وآلية تشكيل المجالس، ودور المرأة، وطبيعة الصلاحيات الممنوحة.
أولاً: البلديات انتخاب مباشر وصلاحيات واسعة
بدأت المسودة من المادة الرابعة بتنظيم البلديات من حيث:
التكوين
المهام
الاختصاصات
آليات العمل
اللجان
الرقابة
والإدارة المالية والتنفيذية.
كما تضمنت المادة (13/د/1)
تخصيص 30٪ من عدد أعضاء المجلس البلدي للنساء اللواتي حصلن على أعلى الأصوات بالنسبة لعدد المقترعين ضمن دوائرهن الانتخابية.
وهذا النص ينسجم مع
مبدأ الانتخاب
واحترام إرادة الناخب
وربط التمثيل بالكفاءة والحضور الشعبي
إلا أن الإشكالية تظهر مباشرة في الفقرة الثانية من ذات المادة
إذا لم يتقدم العدد المطلوب من المرشحات يتم التعيين لإشغال العدد المقرر
وهنا ينتقل القانون من مبدأ "التمثيل الديمقراطي” إلى "الاستكمال الإداري”، بما يطرح تساؤلات حول
شرعية العضو المعين
ومبدأ تكافؤ الفرص
وحدود تداخل السلطة التنفيذية في جسم منتخب
ثانياً: مجالس المحافظات تشكيل هجين يضعف الإرادة الشعبية
عند الوصول إلى المادة (37)، يتغير البناء القانوني بالكامل.
فبدلاً من الحديث عن مجلس منتخب من المواطنين، تنص المادة (37/1)على أن مجلس المحافظة يشكل من
رؤساء البلديات
ممثلي اربع نقابات ويجيز استحداث مقعد لنقابه اخرى فقط
غرفة التجارة
اتحاد المزارعين
اتحاد الجمعيات الخيرية
أحد أعضاء مجلس ادارة المؤسسة التطوعية لاعمار مركز المحافظة ان وجدت
اتحادات المرأة ( اتحاد المرأة / تجمع لجان المرأة )
ممثلي الشباب دون 35 ويتم تنسيبهم من قبل وزارة الشباب
أي أن المجلس يقوم على
التسمية
والتمثيل القطاعي
وليس الانتخاب الشعبي المباشر
وهنا تظهر الإشكالية الكبرى
ناهيك عن ان النقابات المهنية في الأردن عددها 15 والنقابات العمالية عددها 17 وتم اختزالها بأربع نقابات فقط
هل ما زلنا أمام مجلس إدارة محلية أم هيئة تمثيلية استشارية شكلية
فالمجالس المحلية في فلسفة اللامركزية يجب أن تستمد شرعيتها من المواطن مباشرة، لا من مؤسسات وسيطة أو ترشيحات قطاعية.
ثالثاً: غياب العدالة بين البلديات ومجالس المحافظات
هناك تناقض تشريعي واضح بين:
مجالس بلدية منتخبة بالكامل تقريباً،
ومجالس محافظات يغلب عليها الطابع التعييني أو المصطلح التجميلي التمثيل غير المباشر.
فالبلديات مُنحت
تفصيلاً تشريعياً واسعاً،
وصلاحيات أوضح،
وهيكلاً مؤسسياً مستقراً.
بينما مجالس المحافظات
اختُزلت موادها،
وغابت عنها التفاصيل التنظيمية،
ولم تُحدد لجانها بشكل كافٍ،
ولم تُمنح أدوات رقابية وتنفيذية حقيقية.
ولم تعالج معيقات جوهرية في صميم عملها
حتى المادة (39/5) حصرت دور المجلس في:
متابعة ومراقبة المشاريع من خلال تقارير سير العمل.
أي أن المجلس يراقب دون أدوات تنفيذ حقيقية، ويقترح دون قدرة مستقلة على القرار.
أما المادة (39/د)، فقد جعلت المشاريع الرأسمالية المشتركة مرتبطة بالإحالة إلى المجلس التنفيذي، مما يبقي القرار الفعلي بيد السلطة التنفيذية لا المجالس المحلية.
رابعاً: تمثيل المرأة دعم سياسي أم تمييز تشريعي؟
خصصت المسودة نسبة 30٪ للنساء في البلديات ومجالس المحافظات، وهو توجه إيجابي من حيث المبدأ، لكن طريقة التطبيق تثير إشكاليات قانونية وسياسية.
في البلديات
المرأة تصل عبر
التنافس الانتخابي أولاً،
ثم التعيين عند نقص العدد.
أما في مجالس المحافظات:
فالنص يسمح بإشغال النسبة النسائية:
عبر التسمية،
أو التعيين.
أي أن التمثيل النسائي هنا لا يرتبط بالضرورة بالإرادة الشعبية أو التنافس الديمقراطي.
خامساً: المادة (38/ب) تكريس للتمييز السياسي المقيد
تنص المادة(39/ب):
إذا لم تفز المرأة بمنصب رئيس المجلس أو نائبه، يقتصر حق الترشح لمساعد الرئيس على النساء عضوات المجلس.
ورغم أن الهدف الظاهر هو تعزيز مشاركة المرأة، إلا أن النص يثير عدة إشكاليات وهي
تقييد حق الترشح على أساس الجنس.
خلق موقع وظيفي محصور لفئة معينة.
تحويل الكوتا من وسيلة دعم مرحلية ( حسب تعريف الكوتا )إلى قيد تشريعي دائم.
تكريس فكرة "المقعد المخصص” بدلاً من المنافسة السياسية المتكافئة.
فالتمكين الحقيقي للمرأة لا يتحقق بعزل المناصب، بل بتهيئة بيئة سياسية عادلة تضمن فرص التنافس المتساوية.
سادساً: اختلال فلسفة اللامركزية
جوهر اللامركزية يقوم على:
نقل القرار إلى المجتمع المحلي،
توسيع المشاركة الشعبية،
تقليص الهيمنة المركزية.
لكن المسودة الحالية تعيد إنتاج المركزية بطريقة غير مباشرة عبر:
التعيين،
التسمية القطاعية،
ضعف الصلاحيات،
وربط القرارات بالمجلس التنفيذي.
وبالتالي فإن القانون بصيغته الحالية بشفافية
لا يؤسس لامركزية حقيقية، بل يخلق هياكل محلية محدودة التأثير، متفاوتة الشرعية، وغير متوازنة في التمثيل والصلاحيات ( خالية الدسم )
وآخراً وليس اخيراً
تكشف مسودة تعديلات قانون الإدارة المحلية عن حاجة ملحّة لإعادة النظر في فلسفة تشكيل مجالس المحافظات وآليات تمثيل المرأة وتوزيع الصلاحيات بين الهيئات المحلية.
فلا يمكن بناء إدارة محلية حديثة بالمئوية الثانية لدولة عبر :
مجالس نصفها منتخب ونصفها معين
أو عبر تمثيل غير متوازن بين المحافظات والبلديات
أو عبر منح صلاحيات شكلية دون أدوات تنفيذ حقيقية.
إن الإصلاح الحقيقي يبدأ من
احترام الإرادة الشعبية
توحيد معايير الشرعية الديمقراطية
تمكين المرأة عبر التنافس الحر لا التعيين
ومنح المجالس المحلية استقلالاً فعلياً في القرار والتنمية.
فالإدارة المحلية ليست مجرد هياكل تنظيمية، بل هي جوهر العلاقة بين الدولة والمواطن، والمقياس الحقيقي لمدى الإيمان بالديمقراطية والمشاركة والعدالة، وهي المبادئ التي أكدت عليها الورقة النقاشية السادسة لجلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين حول سيادة القانون والمواطنة الفاعلة وبناء الدولة المدنية الحديثة .
عضو مجلس محافظة الزرقاء السابق
رئيس اللجنة الفنية
شيرين هاشم العزام


























