م صلاح طه عبيدات يكتب :حين تُختطف العشيرة أي عشيرة… من دفء الانتماء إلى سوق الوهم السياسي

م صلاح طه عبيدات يكتب :حين تُختطف العشيرة أي عشيرة… من دفء الانتماء إلى سوق الوهم السياسي
نبأ الأردن -
في المجتمعات التي تُفترض فيها العشيرة أن تكون ملاذًا للتماسك والتكافل، تتحول أحيانًا—بفعل فاعلين صغار بأحلام متضخمة—إلى ساحة مفتوحة لتجارب سياسية رديئة، تُدار بعقلية المقاول لا بعقلية المسؤول. هنا لا يعود الانتماء رابطة قيم، بل يصبح أداة تعبئة، ولا تعود الكلمة عهدًا، بل وسيلة تضليل.
المشهد يتكرر بنسخة شبه متطابقة: أفراد يخرجون من هوامش التأثير إلى واجهته، لا لأنهم يملكون مشروعًا، بل لأنهم يجيدون قراءة ضعف اللحظة. يتقمصون دور "المنقذ"، ويتحدثون بلغة الناس، ويتظاهرون بأنهم يحملون همومهم، فيما هم في الحقيقة يحملون أجندة ضيقة لا تتجاوز صندوق اقتراع أو مقعدًا بلديًا. هؤلاء لا يصنعون الوعي، بل يستثمرون في غيابه.
يعرفون جيدًا أن الطريق إلى النفوذ لا يمر عبر الكفاءة، بل عبر شبكات التأثير. لذلك يبدؤون بمغازلة "المؤثرين" داخل العشيرة، يحيطونهم بهالة من التقدير المصطنع، ويزرعون فيهم شعورًا زائفًا بالأهمية. إنها لعبة تبادل الأوهام: هذا يعتقد أنه مستشار لا غنى عنه، وذاك يعتقد أنه قائد قادم. وبين الوهمين، تضيع الحقيقة.
ولأن المسرحية تحتاج جمهورًا، يتقنون الظهور في المناسبات الاجتماعية: في الأفراح يبتسمون أكثر مما ينبغي، وفي الأتراح يحزنون ببلاغة مدروسة. يوزعون الوعود كما توزع الحلوى، ويقدمون أنفسهم كجسر بين الأمنيات والواقع. لكنهم في العمق، ليسوا سوى صانعي سراب، يبيعون الناس صورة المستقبل دون أن يملكوا أدوات صناعته.
الأخطر ليس في صعودهم، بل في الأثر الذي يتركونه. فعندما تقترب لحظة الحسم، تنكشف حقيقة الأدوات التي استخدموها: إشاعات، اصطفافات، تصنيفات، واصطناع خلافات حيث لا خلاف. يتحول الاختلاف الطبيعي إلى خصومة، والخصومة إلى قطيعة، ثم إلى ما يشبه الحرب الباردة داخل العشيرة الواحدة. فجأة، يصبح البيت الواحد خندقين، ويصبح القريب خصمًا، وتُستبدل لغة الحكمة بلغة الاتهام.
وعندما تهدأ العاصفة، لا يبقى من المشهد إلا الركام: علاقات مكسورة، ثقة مهدورة، وذاكرة مثقلة بالمرارة. أما أولئك الذين أشعلوا النار، فيجلسون على أطراف الخراب، يراقبون ما صنعته أيديهم ببرود لافت، وكأنهم لم يكونوا يومًا طرفًا في القصة. لا يعترفون بخطأ، ولا يقدمون مراجعة، لأن مشروعهم لم يكن يومًا بناءً ليستحق الاعتذار عند الهدم.
هنا تكمن المعضلة الحقيقية: ليس في وجود طامحين، فالطموح حق مشروع، بل في غياب المعايير التي تفرّق بين الطموح المشروع والتسلق الانتهازي. حين يغيب الوعي الجمعي، يصبح المجتمع فريسة سهلة لكل من يجيد ارتداء الأقنعة. وحين تُختزل العشيرة في وظيفة انتخابية، تفقد معناها الأعمق كحاضنة للقيم.
المطلوب ليس محاربة الأفراد، بل تحصين الوعي. أن يُسأل كل من يتقدم للواجهة: ماذا تملك غير الكلام؟ ما مشروعك بعد الفوز، لا قبله؟ ما الذي ستبنيه، لا من ستستقطبه؟ وأن تدرك العشيرة أن قوتها ليست في عدد الأصوات، بل في نوعية الاختيار.
فالعشيرة التي تُستَخدم كوقود لمعركة صغيرة، تدفع ثمنًا كبيرًا. والوعي الذي يُشترى بلحظة حماس، يُباع لاحقًا بثمن الانقسام. أما الذين يتغذون على الفتنة، فهم دائمًا أول من يغادر الميدان… تاركين خلفهم مجتمعًا يلتقط أنفاسه بين أنقاض الثقة.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions