م صلاح طه عبيدات يكتب :متلازمة المعونات الخارجية وارتهان سيادة الدولة

م صلاح طه عبيدات يكتب :متلازمة المعونات الخارجية وارتهان سيادة الدولة
نبأ الأردن -
ثمة دول لا تسقط فجأة، بل تتآكل ببطء، كما تتآكل المعادن تحت تأثير الصدأ الصامت. تبدأ الحكاية بحاجةٍ عابرة، عجزٍ مؤقت، ظرفٍ طارئ يدفعها إلى طرق أبواب الخارج، حيث المال متاح، لكن بثمنٍ لا يُقاس بالأرقام وحدها. ومع تكرار الطرق، يتحول الباب إلى مسار، والمسار إلى عادة، والعادة إلى إدمانٍ ناعم الملمس، خشن الأثر.
في ظاهر الأمر، تبدو القروض والمعونات أدوات إنقاذ، لكنها في العمق قد تُعيد تشكيل وعي الدولة بذاتها؛ فبدل أن ترى نفسها ككيان منتج قادر على توليد القيمة، تبدأ بالتكيف مع دور المستهلك الدائم، المنتظر لدفقات الدعم، الخاضع لإيقاعٍ لا ينبع من داخله. هنا لا تكون الأزمة في نقص المال بقدر ما تكون في ضمور الإرادة، وفي انزلاق تدريجي نحو اقتصادٍ يعيش على ما يُمنح، لا على ما يُنتج.
وحين تضيق المسارات، تُمد اليد إلى الداخل، إلى جيب المواطن، عبر منظومة ضريبية تتضخم شيئًا فشيئًا. يُقال إن العدالة تقتضي التصاعد، لكن العدالة حين تفقد توازنها تتحول إلى عبءٍ يُرهق ولا يُنصف. فالمجتمع الذي يُثقل كاهله دون أن تُفتح أمامه آفاق الإنتاج، يتحول إلى كيانٍ مثقلٍ بالواجبات، محدود القدرة على العطاء. عندها، لا تعود الضريبة أداة تنظيم، بل تصبح علامة على اختلال أعمق: دولة تبحث عن مواردها في جيوب مواطنيها، بدل أن تستخرجها من طاقات أرضها وعقول أبنائها.
وفي قلب هذه المعادلة، تقف الموارد، تلك الثروة الصامتة التي قد تكون لعنةً حين تُهمل، ونعمةً حين تُدار بحكمة. الإنسان، بما يحمل من معرفة وقدرة على الابتكار، ليس مجرد رقم في معادلة البطالة، بل هو مفتاح التحول بأكمله. والطبيعة، بما تختزنه من خيرات، ليست مجرد احتياطي جامد، بل إمكانٌ حيّ ينتظر من يوقظه. غير أن غياب الرؤية يجعل هذه الكنوز أقرب إلى أطلالٍ مهجورة، تُرى ولا تُستثمر، تُذكر ولا تُفعل.
المأزق، في جوهره، ليس اقتصاديًا فقط، بل فكريّ قبل أن يكون ماليًا. إنه مأزق تصور الدولة لذاتها: هل هي كيانٌ يدير نقصه، أم كيانٌ يصنع وفرةً من محدوديته؟ هل تتعامل مع أزماتها كوقائع دائمة، أم كحوافز لإعادة التشكّل؟ فالدولة التي تُحسن إدارة ندرتها، قادرة على تحويلها إلى قوة دافعة، بينما تلك التي تستسلم لها، تظل تدور في حلقةٍ مفرغة من الاقتراض والتقشف والارتهان.
الخروج من هذا المدار لا يتحقق بقرارات معزولة، بل بتحولٍ في الوعي قبل السياسات. حين تُعاد صياغة العلاقة بين الدولة ومواردها، بين الحاكمية والإنتاج، بين المواطن والفرصة، يبدأ التغيير الحقيقي. أن يُفتح المجال أمام المبادرة، أن يُكافأ العمل لا أن يُثقل، أن تُبنى الثقة بدل أن تُستنزف—كل ذلك ليس ترفًا نظريًا، بل شرطًا أوليًا لأي نهوض.
ليست المشكلة في أن تستدين الدولة، بل في أن تنسى كيف تعيش دون دين. وليست الخطورة في أن تستعين بالخارج، بل في أن تفقد ثقتها بالداخل. فالدول، كالأفراد، قد تمرض، لكنها حين تعتاد المرض، تفقد الرغبة في الشفاء. أما تلك التي تُدرك أن قوتها كامنة في ذاتها، فإنها— حتى في أشد لحظات ضعفها—تحتفظ ببذرة النهوض، وتعرف أن الطريق إلى الاستقلال لا يُشترى، بل يُصنع.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions