د. وليد العريض يكتب: الغابة التي لا يُستجاب فيها الدعاء – حين اكتشفت الأبقار أنها تحرس الحظيرة

د. وليد العريض يكتب: الغابة التي لا يُستجاب فيها الدعاء – حين اكتشفت الأبقار أنها تحرس الحظيرة
نبأ الأردن -
في صباحٍ بدا كأنه لا ينتهي، كانت الأبقار تقف مصطفّة أمام الحظيرة، لا لأنها أُمرت فقط، بل لأنها اعتادت أن تُؤمَر وكانت تظن-ببراءةٍ مُدرَّبة-أن الوقوف في الطابور شكلٌ من أشكال الكرامة وأن الاجترار الطويل تفكيرٌ عميق وأن تكرار الصوت هو رأيٌ عام، بينما كان الذئب في أعلى التل لا يضحك بصوتٍ عالٍ، بل يكتفي بابتسامةٍ هادئة يعرف أصحابها أن الضحية لن تهرب.

لم تكن المشكلة أن الذئاب أقوى، فذلك من طبائع الغابة، بل أن الأبقار أقنعت نفسها أنها شريكة في القرار وأن الحظيرة وطنٌ لا يُناقَش وأن السياج حماية لا قيد وأن العلف-مهما كان شحيحًا-نعمة يجب شكرها، ثم اختلفت الأبقار فيما بينها على لون العشب قبل أن تسأل من يملك الأرض أصلًا وانقسمت إلى قطعانٍ صغيرة، كل قطيعٍ يعتقد أنه المختار وأن بقية الأبقار ضالّة أو ناقصة أو تحتاج إلى هداية عاجلة عبر النطح والصياح.

وفي الجهة الأخرى، كان الثعلب الاقتصادي يمرّ بهدوء، يضع دفاتره تحت إبطه، يبتسم بلطف، يوقّع العقود ويشرح للأبقار أن الحظيرة تحتاج إلى تطوير وأن التطوير يتطلب قروضًا وأن القروض تحتاج إلى ضمانات وأن الضمانات هي… الحظيرة نفسها، فصفّقت الأبقار لأن المصطلحات كانت كبيرة، ولأن الأرقام بدت وكأنها تفوق عدد النجوم ولم يسأل أحد لماذا ينقص العلف كلما كبرت الأرقام؟ ولماذا تزداد الحظيرة ضيقًا كلما اتسعت الكلمات؟

أما الغربان، فقد تولّت مهمة الإعلام، كانت تقف على الأسوار، تكرّر الأخبار، تُعيد تدوير الخوف، تُزيّن الذعر وتُقنع الأبقار أن الخطر الحقيقي ليس في الذئب الجالس على التل، بل في البقرة المجاورة التي تختلف معها في نبرة الصوت أو شكل القرنين وهكذا تحوّلت الحظيرة إلى مسرحٍ صاخب، كل بقرة تصرخ في وجه الأخرى وكل قطيعٍ يتهم الآخر بالخيانة، بينما كانت الذئاب تكتب التقارير بهدوءٍ وتُسجّل أن "الاستقرار مُدار بكفاءة عالية".

وفي الزاوية البعيدة، كان الدين يُقدَّم كوجبةٍ لطيفة، خفيف الدسم، سريع الهضم، يُشجّع على الصبر ويُؤجّل الأسئلة ويُبارك الانتظار، دينٌ جميل لا يُزعج أحدًا، لا يسأل عن الأرض ولا عن المال ولا عن السلطة، بل يكتفي بأن يجعل الأبقار أكثر طمأنينة وهي تدخل الحظيرة بإرادتها، ثم تختلف حول تفاصيل الطقوس وتُشيّد معارك صغيرة فوق رماد الأسئلة الكبيرة.

وعندما سألت بقرةٌصغيرة-ببراءة لم تُدرَّب بعد-لماذا نعمل لنأكل أقل؟ ولماذا ندفع لنُحمى ممن لا نراه إلا حين نُدفَع؟  ولماذا نخاف من بعضنا أكثر مما نخاف ممن يقف فوقنا؟ ساد الصمت لحظة، ثم تعالت الأصوات، قيل لها إن السؤال فتنة وإن التفكير رفاهية وإن الوقت ليس مناسبًا وإن الأولوية الآن لوحدة القطيع… ضد القطيع الآخر.
وعند المساء، حين هدأت الأصوات قليلًا، كان الذئب قد أنهى يومه، أغلق ملفاته، تأكّد أن كل قطيعٍ ما زال مشغولًا بذاته وأن الثعلب قبض مستحقاته وأن الغربان أدّت دورها بإتقان، ثم نظر إلى الحظيرة الممتلئة، لا كغنيمةٍ طارئة، بل كنظامٍ مستقر، يعرف أن استمراره لا يعتمد على أنيابه فقط، بل على يقين الأبقار أن الحظيرة قدر وأن القطيع حماية وأن من يرفع رأسه… يخرج من السطر.

وفي آخر الليل، حين نامت الأبقار على خوفٍ مُعلّب وأحلامٍ مُستأجرة، مرّ كلبٌ عجوز كان قد رأى غاباتٍ أخرى، تمتم بصوتٍ خافت:
الغابة لا تُدار بالذئاب وحدها…
بل بالأبقار التي صدّقت أنها لا تستطيع العيش خارج الحظيرة،
ثم ابتسم بأسى، لأنه كان يعرف أن الفجر سيأتي
وأن الطابور… سيبدأ من جديد.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions