عبدالله بني عيسى يكتب :"جواد العناني يدعو الأردنيين إلى التقشف"

عبدالله بني عيسى يكتب :جواد العناني يدعو الأردنيين إلى التقشف
نبأ الأردن -
طافت هذه الجملة المجتزأة من محاضرة طويلة تجاوزت الساعتين في منتدى الحموري قبل أيام على معظم المواقع الإخبارية بهذه الطريقة، وعلى آلاف حسابات التواصل الاجتماعي أيضاً، مع أن العناني تحدث بعمق عن طبيعة المرحلة الحالية في المنطقة في ظل الحرب ومآلاتها واحتمالاتها، وقال كلاماً مهماً في هذا السياق.
هذه الجملة قيلت في سياق التحذير من تداعيات اقتصادية ومعيشية خطيرة لحرب إيران، وهو لم يسمِّها أزمة حتى لا يثير القلق، واكتفى بوصفها تحديات اقتصادية. وحين دعا المواطنين إلى التقشف، وضرب أمثلة مثل الاستخدام الفردي للمركبات واستهلاك السجائر والهواتف النقالة، كان حديثه موجهاً للناس، لكنه في سياق آخر قال حديثاً موجهاً للحكومة أيضاً فيما يتعلق بالتعامل مع تداعيات الأزمة.
لم يُشر أحد إلى السياق كاملاً، والجميع اكتفى بالعنوان الذي يستفز الأردنيين كثيراً بسبب نفورهم من أي تصريح لا يحمل الحكومات تبعات كل أزماتنا المعيشية، حتى الخارجية منها.
لقد كان الاجتزاء هنا جريمة مكتملة الأركان بحق الحقيقة والأمانة والدقة، وكلها عناصر أضحت بلا قيمة في عصر الخوارزميات التي تعشق الجدل، وفي عصر جني الأموال من مواقع إخبارية تعوزها أبسط المعايير المهنية والأمانة الصحفية والمسؤولية الوطنية.
المزاج العام متحفز لتقبل النقد فقط. الأردنيون باتوا يضيقون بأي رأي لا يجلد الدولة ولا يرفع سياطاً في وجه الحكومات.
والمواقع الانتهازية المتاجرة بالحقيقة والبلاد تلتقط أي شاردةٍ أو واردة ترفع مستوى "الترافيك"، ولتذهب الأوطان إلى الجحيم… هذا هو منطقها.
"خبير اقتصادي يقول: العائلة الأردنية يمكنها العيش بـ 300 دينار شهريًا".. هذا من العناوين الأكثر جذباً للقراء، لأنه يستدعي وعلى نحو سريعٍ أكبر مخزون من الشتائم والبذاءة لتنهال على رأس هذا الخبير، الذي قد يكون وهمياً بالمناسبة… وهذا بالضبط ما تريده منك المواقع الإخبارية التي تنشر هذا الهراء.
ولأن هذا العنوان "بيّاع" بلغة المواقع الانتهازية، جاء استغلال منشور ساخرٍ لأكاديمي معروف ليتم تحويره على ذات السياق، استمطارًا للتشاؤم والسخط، من آلات التبرم الجاهزة للانقضاض لرفع معدلات القراءة.
الاجتزاء وقنص الزلات والتحريف والتزييف من أكبر ما ابتُلينا به في عصر الإعلام الرقمي. والناس، للأسف، لا تقرأ التفاصيل. فالعنوان الذي قال فيه رئيس الحكومة إن الحكومة ستضخ 9 مليارات دينار في الاقتصاد الأردني العام المقبل، كان مدعاةً لسخرية واسعة من الأردنيين، مع أن السياق الذي تحدث فيه الرئيس حقيقي، وأشار فيه إلى مشاريع استراتيجية كبرى تمضي الحكومة في تنفيذها، كمشروع سكة حديد ميناء العقبة، ومشروع الناقل الوطني للمياه، اللذين بدأت الحكومة إجراءات فعلية لتنفيذهما، إلى جانب مشروع خط غاز الريشة الذي سيبدأ العمل فيه مع نهاية العام الحالي، ومشاريع أخرى عديدة في قطاع الطاقة.
لديّ عشرات الأمثلة على مثل هذا الاجتزاء الذي يصل حد التزييف والتحريف، الذي يُلام فيه الجميع: المواقع الانتهازية، والقراء، والخوارزميات، وحتى الحكومات التي لا تقدم دائماً روايتها بصورة مقنعة تتحدى طبيعة الهياج الرقمي.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions