د. وليد العريض يكتب: الغابة التي لا يُستجاب فيها الدعاء (وشعارها: اللهم اضرب الظالمين بالظالمين… وأخرجنا منها سالمين)
نبأ الأردن -
في تلك الغابة التي أدمنت الخصام أكثر مما أدمنت البقاء والتي كانت تقيس صدقها بقدرتها على الشتم لا بقدرتها على الفعل، كان هناك جارٌ يقف على تخومها، يختلف معها في شكل الصوت وطريقة العواء، لكنها لم تتوقف لحظة لتدرك أنه كان يفعل ما عجزت عنه، فقد انشغل بالتعلّم حين غرقت هي في تكفيره وبالبناء حين انشغلت هي بهدم صورته وبإقامة بيوتٍ للفكر ومخابر للمعرفة حين كانت هي تفتح منصّات للسباب وصنع لنفسه أنيابًا من نارٍ وحديد، وأطلق من أرضه ما يعرف طريقه بدقة نحو الصياد، بينما كانت الغابة منشغلة بحساب طول ظلّها وارتفاع أبراجها وعدد مواسمها الصاخبة وسباقات بهائمها، كأنها تعيش في عرضٍ دائم لا في معركة وجود لا ترحم.
وفي الجهة الأخرى من الحكاية، لم يكن ذلك الجار ينتظر اعترافًا من الغابة، ولا يطلب منها تصفيقًا، بل كان يدعم ما يؤمن به ويقف حيث يرى الحق ويقاتل باسمه الذي اختاره دون أن يعتذر عنه، ويذلّ الصياد حين يقترب، بينما كانت الغابة، بكل ما تملك من ضجيج، قد اختارت طريقًا مختلفًا تمامًا، طريق السجون بدل الساحات والمعتقلات بدل المصانع والتنافس في الولائم بدل السباق في المعرفة، حتى صار أكبر إنجازاتها وجبةً أفخم أو برجًا أعلى أو احتفالًا أطول وكأنها قررت أن تختصر الزمن في مظاهر وتترك جوهر القوة يمرّ من بين أيديها دون أن تمسك به"
ولم تكتفِ الغابة بأن تنشغل عن قضيتها، بل أضافت إلى ذلك مهارةً غريبة في محاصرة من يدافع عنها، فبدل أن تكون له سندًا، صارت عليه عبئًا، شتمته حين قاتل وشككت فيه حين صمد وضيّقت عليه بالكلمات كما ضيّق عليه الصياد بالفعل، حتى صار يقف وحده في وجه العاصفة، يصدّ عن نفسه وعن الغابة معًا، بينما هي منشغلة بتصدير الدسائس وتبادل الاتهامات وتغذية الخصومات، كأنها لا ترى أن المعركة تُخاض على حدودها، لا على شاشاتها وأن من يحاصر من يدافع عنها إنما يفتح الباب لمن يريد افتراسها
"أما حين اشتدّت اللحظة وبلغ الامتحان ذروته وتقدّم الصياد ليقطف ما زرعته الغابة بلسانها ويدها، تفرّقت الحيوانات، لأن من لا يملك هدفًا لا يجتمع ومن لا يملك مرجعية لا يصمد، فغاب القادة وتاهت الأصوات وانكشف أن الغابة التي كانت تصرخ كثيرًا لم تكن تعرف لماذا تصرخ ولا إلى أين تتجه، بينما كان الجار يقاتل وهو يعرف اسمه ووجهته ومرجعه، كانت الغابة قد فتحت أرضها ممرات للصيادين وجعلت من بعض أشجارها قواعد لهم، ثم أنكرت ذلك كله وتنكّرت لمن وقف معها يومًا، كأن الذاكرة فيها عبءٌ يجب التخلص منه، لا عهدٌ يجب الوفاء به.
وفي النهاية، حين لم يبقَ لها إلا صوتها، رفعت الغابة شعارها الخالد الذي حفظته عن ظهر قلب، لا لأنه ينقذها، بل لأنه يعفيها من مواجهة نفسها، فدعت أن يضرب الصيادُ الصيادَ وأن تنجو هي دون أن تغيّر شيئًا من سلوكها، دون أن تعترف، دون أن تتعلم، دون أن تبني وكأن النجاة تُمنح لمن يطلبها بالكلمات لا لمن يصنعها بالأفعال، غير أن السماء، في تلك الغابة تحديدًا، كانت تعرف الحقيقة التي تهرب منها الحيوانات، أن الدعاء الذي يخرج من فمٍ اعتاد الشتم ومن قلبٍ اعتاد الهروب ومن عقلٍ رفض أن يتعلم، لا طريق له إلى الاستجابة، لأنه دعاءٌ بلا ثمن وبلا صدق وبلا ذاكرة
"اللهم اضرب الظالمين بالظالمين، وأخرجنا منها سالمين"

























