م.صلاح طه عبيدات يكتب: الحوكمة داخل الأحزاب الأردنية… بين النصوص التنظيمية واختبار الممارسة
نبأ الأردن -
يبرز مفهوم الحوكمة داخل الأحزاب كمعيار حقيقي لقياس مدى صدقية هذا الطرح في الوقت الذي تُقدَّم فيه الأحزاب السياسية بوصفها مدارس للديمقراطية فالحوكمة لا تعني فقط وجود هياكل تنظيمية، بل تعني منظومة متكاملة من الشفافية والمساءلة وتوزيع الصلاحيات.
وعند النظر إلى البنية التنظيمية للأحزاب الأردنية، ومنها حزب العمل الأردني، نجد نموذجًا نظريًا متقدمًا يقوم على توزيع الأدوار بين المؤتمر العام، والمجلس التنفيذي، والمجلس الوطني، إضافة إلى اللجان والفروع. غير أن التحدي لا يكمن في النصوص، بل في كيفية ترجمتها إلى ممارسة فعلية.
تُظهر الأنظمة الداخلية أن هناك فصلًا نسبيًا بين السلطات داخل الحزب؛ فالمؤتمر العام يضع السياسات وينتخب القيادات، والمجلس التنفيذي يدير العمل اليومي، بينما يمارس المجلس الوطني الرقابة. لكن هذا الفصل يبقى هشًا إذا لم يُدعّم بثقافة تنظيمية حقيقية تؤمن بالمحاسبة وتداول المسؤولية، إذ إن غياب التوازن بين هذه المكونات يؤدي إلى اختلال في الحوكمة حتى وإن بدت الهياكل متكاملة على الورق.
من أبرز التحديات التي تواجه الحوكمة داخل الأحزاب هو تركيز السلطة التنفيذية، خاصة في موقع الأمين العام. فالصلاحيات الواسعة الممنوحة له قد تسرّع العمل وتمنح الحزب ديناميكية، لكنها في الوقت ذاته قد تُضعف دور الهيئات الرقابية إذا لم تُمارس هذه الأخيرة صلاحياتها بفعالية. وهنا تتجلى أهمية الحوكمة، ليس في تقليص صلاحيات القيادة، بل في ضمان وجود توازن حقيقي بينها وبين أدوات الرقابة.
تُعد الانتخابات الداخلية المعيار الأهم للحكم على جودة الحوكمة داخل الحزب؛ فكلما كانت شفافة وتنافسية وقائمة على البرامج، كلما عززت شرعية القيادة ورفعت مستوى الثقة داخل الحزب. أما إذا تحولت إلى إجراءات شكلية أو توافقات مغلقة، فإنها تُفرغ الحوكمة من مضمونها وتحوّل المؤسسات إلى هياكل بلا تأثير.
رغم أهمية اللجان المتخصصة والفروع المحلية في تعزيز المشاركة، إلا أن دورها غالبًا ما يبقى محدودًا في التنفيذ دون التأثير الحقيقي في القرار، وهو ما يطرح إشكالية واضحة، حيث يُفترض أن تكون هذه المستويات شريكًا في صنع السياسات لا مجرد منفذ لها.
لا يمكن الحديث عن إصلاح سياسي شامل دون أحزاب تمارس الحوكمة داخليًا. فالحزب الذي لا يطبق مبادئ الشفافية والمساءلة داخله، يصعب أن يدافع عنها في المجال العام. إن الحوكمة داخل الأحزاب ليست ترفًا تنظيميًا، بل شرطًا أساسيًا لبناء حياة سياسية ناضجة تقوم على المشاركة الحقيقية لا الشكلية.
بين النصوص التنظيمية المتقدمة والتطبيق العملي، تقف الحوكمة داخل الأحزاب الأردنية أمام اختبار حقيقي؛ فإما أن تتحول هذه الأحزاب إلى نماذج مصغّرة للدولة الديمقراطية، أو تبقى أسيرة هياكل تنظيمية لا تعكس روحها. وفي النهاية، تبقى الحوكمة داخل الحزب هي البوصلة التي تحدد ليس فقط مستقبله، بل مستقبل العمل السياسي بأكمله.


























