د. وليد العريض يكتب: مؤتمر الحقيقة في جزيرة العواء من عمل: الغابة التي لا يُستجاب فيها الدعاء

د. وليد العريض يكتب: مؤتمر الحقيقة في جزيرة العواء من عمل: الغابة التي لا يُستجاب فيها الدعاء
نبأ الأردن -
في طرفٍ بعيد من الغابة، حيث يلتقي البحر بأشجارٍ لا تنام، قامت جزيرةٌ صغيرة اعتادت الحيوانات أن تنظر إليها بوصفها منبرًا للحقيقة ومرفأً للكلمات التي يُفترض أن تُقال كما هي، لا كما يُراد لها أن تكون وكانت الطيور تحكي أن من يصل إلى تلك الجزيرة يعود وقد خفّف عن صدره ثقل الأسئلة، غير أنّ ما جرى في تلك الليلة تحديدًا جعل بعض الحكماء يعيدون التفكير في الحكاية من أصلها، إذ بدا أن الحقيقة – حين تُوضع في قاعة مُغلقة – قد تفقد قدرتها على التنفس.

**-الكرسي الذي غاب عنه الأسد… فحضر الغياب بدلًا منه

كان من المنتظر أن يحضر الأسد، ذلك الذي اعتادت الغابة أن تسمع زئيره كلما اقتربت الروايات من حدودها الخطرة، لكنه تأخر، أو لعلّه اختار أن لا يأتي، وفي كلتا الحالتين بقي كرسيه فارغًا، غير أنّ هذا الفراغ لم يكن صامتًا كما توقّع البعض، بل تحوّل إلى حضورٍ ثقيل، كأنه عينٌ مفتوحة تراقب الجميع، وتفضح دون أن تتكلم كيف يتغيّر الكلام حين يغيب من يختبره.

*-مجلس العواء… حين يتحول الاختلاف إلى ذكرى بعيدة

ما إن تأكدت الضباع والذئاب أن الأسد لن يظهر، حتى انفرجت الوجوه وخفّ التوتر وبدأ الحديث يتدفّق بسلاسةٍ مريبة، إذ لم يعد هناك ما يستدعي الحذر أو التفكير مرتين، فتحوّل "مؤتمر الحقيقة" إلى مساحة مريحة لتبادل العبارات المتشابهة، حيث كان كلّ متحدث يلتقط الفكرة من سلفه، يصقلها قليلًا، ثم يعيدها إلى الطاولة وكأنها اجتهادٌ جديد، حتى بدا المشهد وكأن الغابة قد اتفقت – ولو لليلة واحدة – على أن تتحدث بصوتٍ واحد.

**- الثعلب… حارس الإيقاع الذي لا يرفع صوته

في قلب ذلك الانسجام المصنوع وقف الثعلب هادئًا، يوزّع الأدوار بنظراتٍ خفيفة ويبتسم كلما اقترب أحدهم من "الخط الآمن"، فلم يكن بحاجة إلى المقاطعة أو التوجيه المباشر، لأن الجميع كان يدرك حدوده دون أن تُقال وهكذا تحوّل الحوار إلى عرضٍ منضبط، لا تُكسره مفاجأة، ولا يُربكه سؤال وكأن الغابة قررت أن تستبدل المغامرة الفكرية براحةٍ محسوبة.


***- البومة… حين يصبح السؤال خطأً في التوقيت

رفعت البومة جناحها، حاولت أن تسأل، أن تفتح نافذة يدخل منها بعض الهواء إلى القاعة المكتظة بالكلمات المتشابهة، لكنها قوبلت بابتسامة مهذبة وإشارةٍ إلى أن الوقت قد انتهى، فعادت إلى غصنها وهي تدرك أن المشكلة لم تكن في الزمن، بل في السؤال ذاته، لأن بعض الأسئلة – في مثل تلك المجالس – لا يُراد لها أن تُطرح أصلًا، إذ يكفي أن تلمّح إلى احتمالات أخرى حتى تُربك السكون الجميل.

****حيوانات الشاطئ… الذين فهموا دون أن يُقال لهم شيء

على الطرف الآخر من المشهد، حيث كانت الحيوانات الصغيرة تتابع ما يجري من بعيد، بدأ الاهتمام، ثم تحوّل إلى دهشة، ثم انتهى إلى صمتٍ طويل، إذ لم يحتج أحد إلى الاعتراض أو الصراخ، بل كان يكفي أن تدير تلك الكائنات ظهورها وتنسحب بهدوء، لأن الانسحاب – في مثل هذه اللحظات – لا يكون هروبًا، بل حكمًا صامتًا على ما جرى، وإقرارًا بأن ما يُعرض لا يستحق أكثر من ذلك.

***الحقيقة… حين تُستبدل بالراحة

انتهى المؤتمر بسلاسةٍ كاملة، صافح الجميع بعضهم بعضًا واتفقوا – دون إعلان – على أنهم قدّموا نموذجًا ناجحًا للنقاش وفي البيان الختامي بدا كل شيء متوازنًا ومثاليًا، حيث تحدّثوا عن تنوّع الآراء وانسجامها، غير أن أحدًا لم يتوقف ليسأل: كيف اجتمع التنوع والانسجام في قالبٍ واحد دون أن يصطدما؟ وكأن الراحة قد حلّت مكان الحقيقة، لا لأنها أقوى، بل لأنها أقل إزعاجًا.

وختاما: عودة الأسد… بعد أن انتهى كل شيء

في الصباح وصل الأسد أخيرًا، نظر إلى الجزيرة طويلًا، واستنشق الهواء كمن يبحث عن أثرٍ غائب، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة وقال بصوتٍ هادئ إن ما جرى هنا لا يشبه الحقيقة بقدر ما يشبه الاتفاق عليها، فحين يغيب من يختبر الكلام، لا تنتصر الرواية، بل تستريح من الامتحان، ثم استدار ومضى تاركًا الجزيرة تحتفل بنجاحها الكبير في إقناع نفسها.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions