حسن علي الزوايده يكتب:الشرق الأوسط بين وهم الشعارات وصراع المصالح

حسن علي الزوايده يكتب:الشرق الأوسط بين وهم الشعارات وصراع المصالح
نبأ الأردن -
لم تعد الصراعات في الشرق الأوسط تُقرأ كما كانت في السابق من زاوية الشعارات الكبرى أو الخطابات العاطفية، بل باتت تُفهم ضمن معادلة أكثر تعقيدًا، تتداخل فيها المصالح الاقتصادية مع الحسابات الأمنية والطموحات السياسية. فالممرات الحيوية لم تعد مجرد خطوط على الخريطة، بل شرايين تتحكم بمستقبل التجارة العالمية، ومفاتيح للنفوذ والتأثير.

في هذا المشهد، تتسابق القوى على تثبيت حضورها في نقاط العبور الاستراتيجية، حيث تتحول الجغرافيا إلى ورقة قوة، وتُقاس المكانة بقدرة الفاعل على التأثير في حركة الطاقة والتجارة. ومع تصاعد هذا التنافس، تتراجع الاعتبارات التقليدية التي طالما رُفعت كشعارات جامعة، ليحل محلها منطق المصالح المباشرة.

ولعل المفارقة الأبرز أن هذا التنافس لم يعد مقتصرًا على اختلافات بين كيانات متباعدة، بل امتد إلى دوائر كانت تُفترض أنها أكثر تقاربًا وانسجامًا. هنا، تتكشف هشاشة الخطابات التي طالما تحدثت عن وحدة الصف والتكامل، إذ تصطدم هذه الشعارات بواقع تتقدم فيه الأولويات الوطنية الضيقة على أي اعتبار آخر.

وهنا تبرز الحقيقة التي لا يجوز الالتفاف عليها: الأوطان ليست حقولًا مفتوحة للاستثمار الجشع، ولا مواقع جغرافية تُباع وتُشترى في أسواق النفوذ، بل هي حق أصيل لشعوبها التي عاشت عليها وحمتها عبر الزمن. إن تحويل الموارد إلى أدوات احتكار هو بداية الخلل، أما تحويلها إلى شراكات عادلة فهو طريق الاستقرار. فلتكن المنفعة تشاركية، وليكن الاستثمار وسيلة لنهضة الإنسان قبل أي شيء، لأن القيمة الحقيقية لأي مشروع لا تُقاس بحجم الأرباح، بل بمدى انعكاسه على كرامة المواطن وفرص عيشه. وعلى الحكومات الوطنية أن تدرك أن التفريط بحقوق الناس ليس مجرد خطأ إداري، بل شرخ في العقد الاجتماعي، يولّد شعورًا بالظلم ويفتح أبواب القلق وعدم الاستقرار.

ومع ذلك، فإن توصيف هذا الواقع بالنفاق وحده قد لا يكون كافيًا لفهمه؛ فالدول، كغيرها من الكيانات، تتحرك وفق ما تراه ضمانًا لاستقرارها واستمرارها. المشكلة لا تكمن فقط في تضارب المصالح، بل في غياب آليات حقيقية لإدارة هذا التضارب بشكل يحد من تحوله إلى صراع مفتوح.

إن التحدي الأكبر الذي يواجه المنطقة اليوم ليس وجود التنافس بحد ذاته، بل طريقة إدارته. فالتنافس يمكن أن يكون دافعًا للتطور إذا وُضع ضمن أطر واضحة من التعاون والتكامل، لكنه يتحول إلى عامل هدم عندما يُدار بمنطق الغلبة والصفرية، حيث يربح طرف على حساب خسارة الجميع.

في ظل هذا الواقع، يصبح السؤال الجوهري: هل يمكن إعادة صياغة العلاقة بين الفاعلين في المنطقة على أساس توازن المصالح بدلًا من صراعها؟ وهل يمكن تحويل الممرات والثروات من أسباب للتنازع إلى فرص للشراكة؟

الإجابة لا تزال مفتوحة، لكن المؤكد أن استمرار النهج الحالي لن يقود إلا إلى مزيد من التوتر، في منطقة لم تعد تحتمل المزيد من الاستنزاف، لا اقتصاديًا ولا سياسيًا
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions