محمد الخطيب يكتب؛الملك عبدالله الثاني… حين تحوّل الوعد الإنساني إلى ممر حياة لأطفال غزة
نبأ الأردن -
بينما كان العالم يَعُدّ ضحايا الحرب في غزة بالأرقام، كان الأردن يبحث بين الركام عن الأطفال، لينقذ ما تبقى من حياتهم وأملهم.
وحين كانت صور الأطفال الجرحى تملأ الشاشات، لم يكتفِ الأردن ببيانات التضامن أو المواقف السياسية، بل فتح ممراً للحياة، حمل اسم "الممر الطبي الأردني”، ليصبح واحدة من أكثر المبادرات الإنسانية تأثيراً في المنطقة خلال الحرب على غزة.
القصة لم تبدأ من المستشفيات، بل من موقف سياسي وإنساني واضح قاده جلالة الملك عبدالله الثاني، حين أعلن خلال لقائه مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب في شباط 2025 استعداد الأردن لاستقبال الأطفال المرضى والجرحى من غزة للعلاج، في رسالة أكدت أن الأردن ينظر إلى القضية الفلسطينية باعتبارها قضية إنسان وكرامة وحياة، قبل أي حسابات أخرى.
ومنذ انطلاق المبادرة في آذار 2025، لم يعد "الممر الطبي الأردني” مجرد عملية إجلاء طبي، بل تحول إلى جسر إنساني أعاد الأمل لمئات الأطفال الذين خرجوا من تحت الركام بأجساد منهكة وأحلام مكسورة.
أكثر من 700 طفل وصلوا إلى الأردن، يرافقهم أكثر من 1700 مرافق، فيما أجريت لهم عمليات جراحية معقدة، وبرامج تأهيل وأطراف صناعية وعلاج نفسي، في واحدة من أكبر المبادرات الطبية الإنسانية التي نفذها الأردن تجاه غزة.
وراء كل رقم حكاية موجعة.
طفل خرج يبحث عن الماء فعاد بلا ساقين، وآخر كان يجمع الحطب لعائلته فعاد مبتور الأطراف، وثالث فقد كفه وهو يلهو بجسم غريب وسط الدمار. لكن المشترك بينهم جميعاً أن الأردن منحهم فرصة جديدة للحياة، وفرصة ليقفوا من جديد، ليس فقط بأطراف صناعية، بل بإرادة وأمل لم يسمح الأردنيون بانكسارهما.
ما قام به الأردن لم يكن عملاً إغاثياً تقليدياً، بل نموذجاً متكاملاً جمع بين الطب والإنسانية والكرامة.
الجيش الأبيض الأردني، والمستشفيات، والأطباء، والممرضون، والمتطوعون، والمؤسسات الرسمية والخاصة، جميعهم شاركوا في صناعة هذه الرسالة الإنسانية التي تجاوزت حدود السياسة والجغرافيا.
وفي الوقت الذي انهارت فيه منظومات صحية كاملة تحت وطأة الحرب، أثبت الأردن أن الدولة التي تمتلك الإرادة والإنسانية تستطيع أن تصنع فرقاً حقيقياً، حتى في أصعب الظروف.
اليوم، لا يُقاس "الممر الطبي الأردني” بعدد العمليات أو الأطفال الذين تم علاجهم فقط، بل بما تركه من أثر إنساني عميق في نفوس أطفال غزة وعائلاتهم، وبالصورة التي قدّم بها الأردن نفسه أمام العالم:
دولة لا تدير ظهرها للألم، وملك اختار أن يقود موقفاً إنسانياً سيبقى في ذاكرة التاريخ قبل السياسة.

























