د. عبدالله محمد القضاه يكتب: ترامب بين استعراض القوة ومأزق القرار: هل يغامر بضربة ضد إيران؟

د. عبدالله محمد القضاه يكتب: ترامب بين استعراض القوة ومأزق القرار: هل يغامر بضربة ضد إيران؟
نبأ الأردن -
في لحظة سياسية مشحونة تتزامن مع الذكرى السنوية لعمليات "Epic Fury" والجدل المحتدم في أروقة واشنطن، لا يبدو المشهد الأمريكي مجرد نقاش دستوري حول صلاحيات الحرب، بل هو اختبار حقيقي لحدود القوة، وهيبة القرار، وقدرة القيادة على المناورة دون الانزلاق إلى المجهول. وبينما يرفض الكونغرس الأمريكي منح تفويض مفتوح للحرب، تبرز المعضلة الأكثر إلحاحاً: هل يندفع دونالد ترامب نحو تصعيد عسكري جديد ضد إيران كرسالة تحدٍ للمؤسسة التشريعية، أم أنه يدرك أن الثمن هذه المرة قد يتجاوز أي مكسب سياسي متوقع؟
إن الحقيقة الاستراتيجية التي تفرض نفسها اليوم هي أن العمل العسكري لم يعد مجرد خيار تكتيكي، بل أضحى مقامرة سياسية عالية المخاطر. فترامب، الذي بنى صورته السياسية على الحسم والجرأة، يواجه واقعاً معقداً؛ حيث إن أي خطوة غير محسوبة قد تتحول من استعراض للقوة إلى مأزق استراتيجي يلاحقه داخلياً وخارجياً، خاصة مع تجاوز "عداد الـ 60 يوماً" الذي يفرضه قانون صلاحيات الحرب .
التحليل الاستراتيجي للعوامل الراهنة
1.الوضع العسكري: وقف إطلاق نار هش بعد عمليات "Epic Fury"؛ مما يخلق حالة من "اللا حرب واللا سلم" تزيد من عصبية الأسواق.
2.الموقف القانوني: جدل حول دستورية قانون صلاحيات الحرب؛ مما ينذر بمواجهة دستورية محتملة بين البيت الأبيض والكونغرس.
3.صنع القرار في إيران: هيمنة الحرس الثوري بعد غياب المرجعيات التقليدية؛ مما يعني ردود فعل غير متوقعة واتساع دائرة المواجهة.
4. التوازن الإقليمي: تحالفات هشة وتصعيد محسوب؛ مع خطر الانزلاق إلى حرب شاملة بسبب خطأ في التقدير.
نعم، يمتلك الرئيس الأمريكي هامشاً للمناورة، وقد يسعى للالتفاف على القيود التشريعية بادعاء أن "العدائيات قد انتهت" تقنياً بفضل الهدنة القائمة، لكن الفارق بين "الضربة الجراحية" و"الاشتباك الشامل" قد يكون مجرد رد فعل غير متوقع من الطرف الآخر. وهنا تكمن العقدة: فالقرار بالبدء قد يكون أمريكياً، لكن مسار التصعيد ونهايته ليسا كذلك بالضرورة.
إن تجربة اغتيال قاسم سليماني، وما تبعها من عمليات في 2026، لا تزال ماثلة في الذاكرة الاستراتيجية. ورغم أن تلك الضربات كانت دقيقة وصادمة، إلا أنها كشفت عن حدود القوة الصلبة؛ إذ كادت المنطقة تنزلق إلى مواجهة مفتوحة لولا ضبط الإيقاعات في اللحظات الأخيرة. واليوم، مع تغير هيكلية السلطة في طهران وبروز دور الحرس الثوري بشكل أكثر حدة، فإن الرهان على "ضبط النفس" الإيراني لم يعد مضموناً، فطهران باتت تتعامل مع الضغوط كصراع وجودي طويل الأمد.
الخطير في المشهد الراهن ليس احتمال الضربة بحد ذاتها، بل "اليوم التالي"لها. فالسعي للحفاظ على الهيبة السياسية والردع قد يدفع الأطراف إلى سلسلة من الردود المتبادلة التي يصعب كبحها. وفي المقابل، يدرك ترامب أن تجاوز الكونغرس بشكل فج قد يفتح عليه جبهة داخلية شرسة، فالمؤسسة السياسية الأمريكية لا تتسامح بسهولة مع قرارات قد تورط البلاد في استنزاف غير محسوب.
بناءً على ما تقدم، يبدو أن الخيار الأكثر ترجيحاً ليس "الضربة الكبرى"، بل الاستمرار في "لعبة الحافة": تصعيد محسوب، تهديد دائم، واستعراض قوة يهدف لإبقاء الخصم تحت الضغط دون الوصول إلى نقطة الانفجار الكامل. إنها سياسة تهدف إلى تحقيق مكاسب تفاوضية بالترهيب، لكنها تحمل في طياتها خطراً دايماً: فخطأ واحد في الحسابات قد يشعل حريقاً يحاول الجميع تجنبه.
في نهاية المطاف، قد لا تكون القضية الجوهرية هي "هل سيضرب ترامب؟، بل "هل يمتلك القدرة على التحكم في تداعيات الضربة؟".وفي عالم السياسة الدولية المعاصر، لا توجد ضمانات، بل احتمالات مفتوحة على كافة السيناريوهات، مما يفرض على القوى الإقليمية، ضرورة الاستعداد لتبعات هذا الاضطراب المستمر في قواعد الاشتباك.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions