م صلاح طه عبيدات يكتب : دوائر الانتماء حين تضيق: بين ادعاء الوحدة وممارسة الإقصاء
نبأ الأردن -
في المجتمعات التي تتغنى بالوحدة والتماسك، غالباً ما تظهر مفارقة لافتة بين الخطاب والممارسة. فبينما ترتفع الشعارات التي تمجد الانتماء المشترك والهوية الجامعة، تتسلل في الواقع نزعات ضيقة تعيد رسم حدود الانتماء على أسس جغرافية أو اجتماعية أو حتى نفسية، تقسم ما هو في الأصل متصل ومتشابك.
إن الانتماء إلى المكان ليس إشكالية بحد ذاته، بل هو حاجة إنسانية طبيعية تعزز الشعور بالأمان والاستقرار. غير أن المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا الانتماء إلى حالة من الانغلاق، تُقصي ما هو مجاور، وتُنكر الروابط العميقة التي نسجها التاريخ والجغرافيا والدم المشترك. فالأماكن لا تعيش في عزلة، بل تتداخل ثقافياً واجتماعياً، وتشكل معاً نسيجاً واحداً يصعب فصله دون إحداث تمزق في الهوية العامة.
هذا التناقض بين الدعوة إلى الوحدة وممارسة الإقصاء يعكس خللاً في الوعي الجمعي، حيث تتحول القيم الكبرى إلى مجرد شعارات استهلاكية، تُستخدم في الخطاب العام دون أن تجد طريقها إلى التطبيق. فكيف يمكن الحديث عن وحدة مجتمعية متينة في ظل إنكار الشركاء الطبيعيين في هذا الانتماء؟ وكيف يمكن بناء مستقبل مشترك إذا كان الحاضر يعاني من تصدعات في فهم أبسط مقومات الشراكة؟
الأخطر من ذلك أن هذا الانغلاق غالباً ما يكون مدفوعاً بضحالة فكرية، تُنتج أحكاماً متسرعة و"فتاوى اجتماعية" ضيقة، تُصنّف الناس وتُحدد من يحق له الانتماء ومن لا يحق. في هذا السياق، يصبح الانفتاح على الآخر تهمة، ويُنظر إلى الداعين إلى الشمولية بعين الريبة، وكأنهم يهددون بنية المجتمع، لا يسعون إلى تعزيزها.
هؤلاء المنفتحون، الذين يدركون أن قوة المجتمع تكمن في تعدديته وتكامل مكوناته، يجدون أنفسهم في مواجهة مباشرة مع تيارات محافظة ترفض التغيير. تُوجه إليهم سهام النقد، وتُبذل الجهود لتقويض مبادراتهم، في محاولة لإبقاء الواقع على حاله، حتى وإن كان هذا الواقع يعاني من اختلالات واضحة.
لكن الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها هي أن المجتمعات التي تنجح في بناء مستقبل قوي هي تلك التي تعيد تعريف الانتماء بشكل أوسع وأكثر شمولاً. انتماء لا يُقصي، بل يحتوي. لا يُجزئ، بل يوحد. انتماء يُدرك أن الاختلاف ليس تهديداً، بل فرصة لإثراء التجربة الإنسانية وتعزيز التماسك الحقيقي.
فهل نحن مستعدون لمراجعة مفاهيمنا عن الانتماء؟ أم سنبقى أسرى دوائر ضيقة، نُدافع عنها بشراسة، بينما تتآكل فرصنا في بناء مجتمع أكثر توازناً وعدلاً؟


























