د عطاالله الشرعة يكتب: من التعاون إلى التكامل: الأردن والسعودية وبناء حكومة المستقبل

د عطاالله الشرعة يكتب: من التعاون إلى التكامل: الأردن والسعودية وبناء حكومة المستقبل
نبأ الأردن -
العلاقات الأردنية السعودية اليوم أمام فرصة ذهبية تتجاوز حدود التعاون التقليدي، لتصل إلى مرحلة الشراكة الحقيقية في بناء حكومات حديثة، مرنة، ذكية، وسريعة الاستجابة. وإذا كانت المملكة العربية السعودية قد حققت قفزات نوعية في التطوير الإداري والحكومة الإلكترونية، فإن الأردن يمتلك ثروة بشرية من الكفاءات والخبرات القادرة على الإسهام في هذا المسار، ما يجعل التكامل بين الطرفين ضرورة استراتيجية لا مجرد خيار.
السعودية قدمت نموذجاً واضحاً في الانتقال من الإدارة الورقية البطيئة إلى حكومة رقمية حديثة، حيث أصبحت كثير من الخدمات تُنجز عبر الهاتف خلال دقائق، دون مراجعات مرهقة أو طوابير انتظار أو توقيعات لا تنتهي. المواطن والمقيم في المملكة أصبح يتعامل مع أجهزة حكومية تعرف معنى الوقت، وتحترم الإنسان، وتدرك أن الخدمة ليست منّة بل حق. هذه الثقافة الإدارية الحديثة هي جوهر النجاح، قبل أن تكون مجرد أنظمة إلكترونية.
لقد أثبتت التجربة السعودية أن الحكومة بلا ورق ليست شعاراً إعلامياً، بل قرار سيادي وإرادة تنفيذية. عندما تُربط المؤسسات إلكترونياً، وتُختصر الإجراءات، وتُلغى المعاملات المكررة، وتصبح البيانات متاحة بشكل آمن بين الجهات، فإن الناتج الطبيعي هو جهاز حكومي رشيق، سريع، قليل الكلفة، عالي الكفاءة. وهذا ما تحتاجه كثير من الدول العربية اليوم، وفي مقدمتها الأردن.
البيروقراطية لم تعد مجرد مشكلة إدارية، بل أصبحت عائقاً اقتصادياً واستثمارياً وتنموياً. التجربة السعودية واجهت ذلك بالحسم، فاختصرت المسارات، وأعادت هندسة الإجراءات، وربطت الأداء بالمؤشرات، وأدخلت التقنية في كل مفصل حكومي. لم يعد السؤال: من وقّع المعاملة؟ بل: لماذا تأخرت؟ ولم يعد المسؤول يُقاس بطول بقائه في المنصب، بل بما أنجزه في زمن قياسي.
وفي هذا السياق، تبرز الكفاءات الأردنية كقيمة مضافة حقيقية. فالأردن يملك خبرات نوعية في نظم المعلومات الحاسوبية، وتحليل الأعمال، وإدارة الموارد البشرية، والتدريب المؤسسي، وتطوير الأنظمة، وإدارة المشاريع التقنية. آلاف الأردنيين أثبتوا نجاحهم في الخليج، والسعودية تحديداً، في الجامعات، والشركات، والوزارات، والقطاع الصحي والتقني. ومن الحكمة توسيع الاستفادة من هذه الطاقات ضمن شراكات مؤسسية أوسع.
كما أن مجال الموارد البشرية يمثل نقطة التقاء مهمة بين البلدين. السعودية تتجه إلى بناء جهاز حكومي قائم على الجدارة، والكفاءة، والقياس، والتأهيل المستمر، بينما يمتلك الأردن مدارس أكاديمية ومهنية متميزة في الإدارة والموارد البشرية. ويمكن تأسيس برامج مشتركة لتأهيل القيادات الوسطى والعليا، وتصميم أنظمة تقييم أداء حديثة، وبناء مسارات وظيفية قائمة على الإنتاج لا الأقدمية فقط.

إن المستقبل ليس لمن يملك النفط فقط، ولا لمن يملك العقول فقط، بل لمن يجمع بين القرار والموهبة. السعودية تملك القرار والإمكانات والرؤية، والأردن يملك الخبرة والكفاءات والمرونة البشرية. وإذا تم توجيه هذا التكامل نحو التطوير الإداري، والحكومة الإلكترونية، والتحول الرقمي، فإننا أمام نموذج عربي ناجح يثبت أن الإدارة الحديثة قادرة على تغيير حياة الناس أسرع من أي خطاب سياسي.

المرحلة القادمة يجب أن تكون مرحلة مؤسسات لا أوراق، خدمات لا تعقيد، كفاءات لا محسوبية، وإنجاز لا انتظار. وهنا تبرز الشراكة الأردنية السعودية كأحد أهم مفاتيح النجاح العربي القادم.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions