د.عبدالله القضاه يكتب : الأردن يعلن عقيدته الجديدة: من دولة الصمود إل دولة التعبئة الشاملة

د.عبدالله القضاه يكتب : الأردن يعلن عقيدته الجديدة: من دولة الصمود إل دولة التعبئة الشاملة
نبأ الأردن -
في خضم تحولات إقليمية متسارعة تشهد تآكلاً في بنية الدول قبل حدودها، لم يكن ظهور سمو الأمير الحسين بن عبد الله الثاني، ولي العهد، في حفل تخريج الدفعة الأولى من مكلفي خدمة العلم مجرد رعاية لمناسبة وطنية، بل كان إعلانًا سياسيًا واستراتيجيًا صريحًا عن تحول عميق في الفلسفة الحاكمة للدولة الأردنية. لم يكن هذا خطاب تهنئة تقليديًا، بل بيان دولة يحدد مسارًا جديدًا.
من الولاء العاطفي إل الولاء الوظيفي المنتج
حين يؤكد ولي العهد أن "الولاء ليس شعارًا يرفع بل أمانة تؤدى"، فإنه لا يكرر أدبيات تقليدية، بل يعيد تعريف مفهوم الولاء ذاته. يشير هذا التصريح إلى انتقال الأردن من مرحلة الولاء العاطفي القائم على المشاعر والانتماء المجرد، إلى مرحلة الولاء الوظيفي المنتج الذي يُقاس بالإنجاز والعمل الفعلي. لم يعد الانتماء يُقاس بالقول، بل بالفعل والإنتاجية، وهي معادلة استراتيجية بالغة الأهمية تطرحها الدولة على مجتمعها في هذه المرحلة الدقيقة.
عسكرة التنمية: كل مؤسسة جبهة وكل مواطن جندي
لعل أخطر ما جاء في الخطاب ليس توصيف الواقع، بل إعادة تعريفه. عندما يعلن ولي العهد أن "كل موقع عمل خندق، وكل مؤسسة جبهة إنجاز"، فإنه يطرح عقيدة جديدة يمكن وصفها بـ "عسكرة التنمية"، لا عسكرة المجتمع بالمعنى التقليدي. هذا يعني أن المعركة لم تعد مقتصرة على الحدود الجغرافية، بل امتدت لتشمل كل جوانب الحياة الداخلية: المدرسة، الجامعة، المؤسسة، والسوق. يتحول الاقتصاد هنا إلى خط دفاع، والتعليم إلى سلاح استراتيجي، والعمل إلى واجب وطني مقدس، مما يعكس رؤية شاملة للأمن الوطني تتجاوز المفاهيم التقليدية.
خطاب بلا أوهام : الإقليم يحترق
تميز الخطاب بوضوح وصراحة لافتة، متجنبًا المجاملات الدبلوماسية. كان التشخيص للبيئة الإقليمية مضطربًا، حيث تتغير موازين القوى وتنهار القواعد القديمة. هذه ليست لغة احتفال، بل لغة إنذار مبكر وواقعية سياسية. الرسالة الضمنية واضحة: من لا يجهز نفسه داخليًا لمواجهة التحديات، سيدفع ثمنًا باهظًا من الخارج. إنه دعوة إلى اليقظة والاستعداد الدائم في ظل منطقة ملتهبة.
الأردن يعيد تعريف قوته: التحدي فرصة
في لحظة محورية من الخطاب، يقلب ولي العهد المعادلة التقليدية للقوة. فقلة الموارد لم تعد ضعفًا، والموقع الجغرافي لم يعد عبئًا، بل تحولا إلى مصدر للصلابة والهوية والقدرة على الابتكار. هذا ليس خطابًا تحفيزيًا سطحيًا، بل محاولة لإعادة برمجة العقل الوطني، وصناعة شعب يرى في التحديات فرصًا للنمو والتطور، لا مبررات للتقاعس أو اليأس.
إعلان القطيعة مع الجمود: ضرورة وجودية
عندما يؤكد سموه أن "التمسك بأساليب الأمس لم يعد خيارًا... والخطر الحقيقي هو الجمود"، فإنه يرسل رسالة قوية وواضحة للنخب والمؤسسات. البيروقراطية لم تعد محصنة، والتقليدية لم تعد مقبولة، والإصلاح لم يعد ترفًا، بل أصبح ضرورة وجودية لاستمرارية الدولة وتطورها. هذه ليست دعوة ناعمة للتغيير، بل قرار سياسي حاسم مغلف بلغة هادئة، يدفع باتجاه التحديث والتطوير الشامل.
من إرث الحسين بن طلال إلى عقيدة المستقبل
لم يكن استحضار تجربة خدمة العلم في عهد الملك الراحل الحسين بن طلال مجرد حنين للماضي، بل كان تثبيتًا لشرعية الحاضر وتأكيدًا على استمرارية الرؤية. الرسالة هنا أن ما يتم فعله اليوم ليس قطيعة مع التاريخ، بل امتداد له بصيغة أكثر صلابة وحداثة، مستلهمًا من الإرث الهاشمي في بناء الدولة وتعبئة طاقاتها.
الأردن من إدارة الأزمات إل التعبئة الوطنية الشاملة
إذا جردنا الخطاب من بلاغته، فإن مضمونه السياسي الصريح يؤكد على عدة نقاط محورية:
1.الاعتماد على الذات: الأردن لن ينتظر الحلول من الخارج، بل سيعمل على بناء قدراته الذاتية.
2.البناء الداخلي: التركيز على إعادة بناء الدولة والمجتمع من الداخل.
3.الرهان على الإنسان: الاستثمار في العنصر البشري كأهم مورد، وليس الموارد الطبيعية.
4.التحول الاستراتيجي: الانتقال من "دولة إدارة أزمات" إلى "دولة تعبئة وطنية شاملة"، حيث تتضافر جهود الجميع لمواجهة التحديات وتحقيق التنمية.
بداية مرحلة جديدة
خلاصة القول؛ في منطقة تشهد انهيار دول بسبب فشلها في بناء الإنسان، يذهب الأردن في الاتجاه المعاكس تمامًا: بناء الإنسان أولًا، باعتباره خط الدفاع الأول، والمشروع الحقيقي للدولة. ما قاله ولي العهد هو إعلان واضح: الأردن لا يكتفي بالصمود، بل يستعد ليكون أقوى وأكثر منعة. السؤال الذي يفرض نفسه الآن ليس عن قوة الرسالة، بل عن مدى استعداد المجتمع والمؤسسات الأردنية لمواكبة هذا التحول الاستراتيجي العميق والارتقاء إلى مستوى هذه العقيدة الجديدة..
* أمين عام وزارة تطوير القطاع العام سابقا
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions