م.صلاح طه عبيدات يكتب : عيد العمال… حين ينقسم العرق بين شرف البناء وهدم الأمانة
نبأ الأردن -
في عيد العمال، لا يليق بنا أن نكتفي بمديحٍ مُعلّب، ولا أن نُغرق المشهد في أناشيد مثالية تُخفي ما لا يجب إخفاؤه. فهذا اليوم—في جوهره—ليس وسامًا يُعلّق على صدور الجميع، بل مرآة تُفرّق بين من يصون العمل ومن يسيء إليه.
نعم، هو يوم للعامل المخلص… ذاك الذي يرى في عمله أمانة قبل أن يكون مصدر رزق، وفي وطنه بيتًا لا غنيمة.
لكنه، في وجهٍ آخر لا يجوز تجاهله، يكشف عن نماذج اختارت أن تنحرف بالبوصلة، فحوّلت العمل من قيمة إلى وسيلة استغلال.
هو يومٌ للعامل الذي يُفترض أن يحمي المال العام، لا أن يمدّ يده خفيةً إلى خزان الوقود، يقتطع منه ما ليس له، وكأن الوطن فائض يمكن اقتسامه.
ويومٌ يكشف ذاك الذي جعل من موقعه بابًا للرشوة، يُبطئ المعاملات عمدًا، ثم يبيع الوقت والحق بثمنٍ بخس، فيسقط الميزان بين العدالة والمصلحة.
وهو أيضًا مرآة للعامل الذي خان ثقة الناس، فغشّ في مواد البناء والكهرباء والتمديدات، يحمّل الزبون ما لا يلزم، ويُخفي الفائض في جيبه، كأن الضمير تفصيل يمكن تجاوزه.
وللبائع الذي يضع الربح فوق صحة الناس، فيروّج سلعًا منتهية الصلاحية أو مقلّدة، ضاربًا بثقة المجتمع عرض الحائط.
كما لا يغيب عن هذا المشهد سائقٌ يرى في الراكب فرصة لا حقًا، فيضاعف الأجرة بلا وجه حق، ويحوّل الطريق إلى مساحة ابتزاز.
ولا ذاك الموظف الذي أوكلت إليه نعمة الماء، فجعلها سلعة للمساومة، يعبث بالأدوار، ويعقد الصفقات في الخفاء، بينما العطش ينتظر دوره.
في عيد العمال، نحن لا نُدين العمل… بل نُدين من شوّه معناه.
ولا نُعمّم الخطأ… بل نُحاصر مظاهره.
لأن العمل، حين يفقد أخلاقه، يتحوّل من بناءٍ إلى هدم، ومن خدمةٍ إلى استغلال.
هذا اليوم يجب أن يكون وقفة صدق:
نُعيد فيها الاعتبار للعامل الشريف، ونرفع شأنه،
ونضع حدًا لكل يدٍ امتدت لما لا تستحق.
فالأوطان لا تُبنى بكثرة الأيدي العاملة فقط،
بل بنزاهتها.


























