د. عبدالله محمد القضاه يكتب: الإمارات خارج أوبك: نهاية الإنضباط النفطي ... وعل الأردن أن يستعد
نبأ الأردن -
لم يكن إعلان دولة الإمارات العربية المتحدة انسحابها من منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) وتحالف "أوبك+"، اعتباراً من مطلع مايو 2026، مجرد قرار فني عابر في أجندة أسواق الطاقة، بل هو "لحظة فارقة" تعلن انكسار المنطق التقليدي الذي حكم توازنات النفط العالمية لعقود. هذا التحول الاستراتيجي يمثل انتقالاً جذرياً من مرحلة "الالتزام الجماعي" بالحصص الإنتاجية إلى مرحلة "السيادة الإنتاجية" المطلقة، حيث تضع الدول مصالحها الوطنية العليا فوق اعتبارات التنسيق الجماعي .
تأتي هذه الخطوة في توقيت جيوسياسي شديد الحساسية، حيث تشهد المنطقة توترات غير مسبوقة وتحديات أمنية في ممرات الملاحة الدولية، لا سيما في مضيق هرمز. وبخروج لاعب بوزن الإمارات، التي تمتلك قدرات إنتاجية تتجاوز ثلاثة ملايين برميل يومياً وتطمح للوصول إلى خمسة ملايين برميل بحلول عام 2027، يفقد "كارتل" أوبك أحد أهم ركائزه، مما يقلص حصة التحالف في السوق العالمي من حوالي 48% إلى 44%، ويضعف قدرته التاريخية على ضبط الأسعار وتوجيه دفة العرض والطلب .
تآكل القدرة الجماعية وبروز "السوق العصبية"
إن الرهان على قدرة "أوبك" على استيعاب هذه الصدمة دون اهتزازات بنيوية يبدو رهاناً مفرطاً في التفاؤل. فالتصدعات داخل المنظومة لم تعد خافية، وخروج الإمارات يفتح الباب أمام سابقة قد تغري منتجين آخرين بإعادة حسابات الجدوى من البقاء تحت مظلة نظام الحصص. والنتيجة الحتمية لن تكون بالضرورة انهياراً فورياً في الأسعار، بل ما هو أعمق أثراً: تآكل القدرة الجماعية على إدارة الأزمات، واتساع هامش التقلب وعدم اليقين في سوق باتت توصف بـ "العصبية" والسرعة في الاستجابة للمتغيرات الجيوسياسية أكثر من أساسيات السوق .
في ظل هذا المشهد، لم يعد الحديث عن اتجاه أحادي للأسعار دقيقاً؛ فبينما قد يضغط زيادة المعروض الإماراتي المستقبلي على الأسعار نزولاً، تظل التوترات الإقليمية وحسابات القوى الكبرى ومسارات الطلب العالمي في ظل الأزمات الراهنة قادرة على إبقاء الأسعار في مستويات مرتفعة ومتقلبة، حيث سجلت أسعار خام برنت حوالي 98- 105 دولارات للبرميل في مارس 2026، مما يضع الدول المستوردة للطاقة أمام تحديات وجودية.
الأردن في عين العاصفة: من رد الفعل إلى الاستباقية
الأردن، باقتصاده المعتمد بشكل عضوي على استيراد الطاقة، يجد نفسه اليوم في قلب هذه الارتدادات. إن الرهان الشعبي أو الرسمي على أن زيادة المعروض العالمي ستترجم تلقائياً إلى انفراج في الأسعار المحلية هو رهان يصطدم بواقع بنية التسعير المحلية المحكومة بضرائب مرتفعة وكلف تشغيلية ثابتة، مما يحد من انتقال أثر الانخفاض العالمي إلى المستهلك النهائي . ورغم أن الأردن حقق ترشيداً في فاتورته النفطية بقيمة 60.7 مليون دولار في الشهرين الأولين من عام 2026، إلا أن استمرار ارتفاع أسعار النفط العالمية سيضغط على الموازنة العامة .
لذلك، لم يعد مقبولاً الاستمرار في إدارة ملف الطاقة بمنطق "التكيف المرحلي" أو انتظار ما ستسفر عنه تقلبات الأسواق العالمية. إن الرسالة التي يبعث بها خروج الإمارات واضحة وصريحة: قواعد اللعبة تغيرت، والثوابت القديمة تهاوت. المطلوب أردنياً هو الانتقال الفوري من "سياسة رد الفعل" إلى "سياسة طاقة استباقية" ترتكز على ثلاثة محاور أساسية:
1بناء مصدات داخلية: تعزيز القدرة الوطنية على امتصاص الصدمات السعرية من خلال تطوير آليات تحوط مالية وتقنية متطورة.
2تسريع الاستقلال الطاقي: تكثيف الاستثمار في البدائل المحلية، لا سيما الطاقة المتجددة (الشمس والرياح)، ورفع مساهمتها في خليط الطاقة الكلي لتجاوز الأهداف المرسومة سابقاً ضمن استراتيجية الطاقة الأردنية 2020-2030.
3كفاءة الاستهلاك الشاملة: تبني استراتيجية وطنية ملزمة لرفع كفاءة استهلاك الطاقة في القطاعين العام والخاص، لتقليل الاعتماد على الاستيراد وتخفيف الضغط على الموازنة العامة.
ختاماً، إن خروج الإمارات من أوبك هو جرس إنذار مبكر؛ فالدول المنتجة تتحرك اليوم وفق بوصلة مصالحها الوطنية أولاً، ومن لا يمتلك أدواته الخاصة لحماية أمنه الطاقي سيدفع كلفاً باهظة في مستقبل لا يعترف إلا بالأقوياء والمستعدين. بالنسبة للأردن، الخيار لم يعد ترفاً: إما بناء سيادة طاقية وطنية، أو البقاء رهينة لسوق عالمي مضطرب لا يرحم.
*أمين عام سابق.

























