أمجد الفاهوم يكتب: حين تتحول الصناعة إلى قوة وطنية… “أغذية اليوم” نموذجًا
نبأ الأردن -
يُشكّل القطاع الصناعي في الأردن اليوم أحد الأعمدة الراسخة التي يستند إليها الاقتصاد الوطني في سعيه نحو نمو مستدام وتعزيز الاعتماد على الذات، لا سيما في ظل التحديات الإقليمية وتقلبات الأسواق العالمية. ولم يعد دور الصناعة مقتصرًا على الإنتاج التقليدي، بل تجاوز ذلك ليغدو رافعة استراتيجية للتشغيل، ومحركًا للابتكار، وأداة فاعلة في تحقيق الأمنين الغذائي والصناعي. وتؤكد التجارب الصناعية الوطنية الناجحة هذا التحول، إذ استطاعت بناء نماذج متكاملة تواكب المعايير العالمية وتنافسها.
وتبرز الصناعات الغذائية، على وجه الخصوص، كقطاع حيوي يمس الأمن الغذائي بشكل مباشر، ويعكس قدرة الأردن على تحويل محدودية الموارد إلى فرص إنتاجية ذات قيمة مضافة عالية. وفي هذا السياق، تُعد شركة اليوم للأغذية نموذجًا متقدمًا للصناعة الوطنية الحديثة، حيث تجمع بين التكامل الإنتاجي، والتكنولوجيا المتقدمة، وإدارة الجودة الشاملة ضمن منظومة صناعية متكاملة.
يرتكز هذا النموذج على بنية تحتية صناعية متطورة، يتصدرها أحد أكبر المخابز الصناعية في المملكة، بمساحات إنتاجية واسعة وخطوط تصنيع حديثة تعمل وفق أنظمة تشغيل آلية دقيقة. ولا تكمن قوة هذا النموذج في حجمه فحسب، بل تمتد إلى التزامه الصارم بمعايير الجودة وسلامة الغذاء، حيث حصلت منشآت المجموعة على شهادات دولية معتمدة مثل ISO22000 وFSSC، إلى جانب تطبيق معايير البيئة والسلامة المهنية، بما يعكس توجهًا واضحًا نحو إنتاج غذاء آمن وصحي وفق أفضل الممارسات العالمية.
وتتجلى إحدى أبرز نقاط القوة في هذا النموذج في تبني مفهوم التكامل العمودي، إذ تشرف الشركة على مختلف مراحل سلسلة الإنتاج، بدءًا من الإنتاج الزراعي وتربية الأبقار، مرورًا بالتصنيع الغذائي للألبان والعصائر والمخبوزات، وصولًا إلى التوزيع المباشر للأسواق. ولا يحقق هذا التكامل كفاءة تشغيلية مرتفعة فحسب، بل يحدّ من الاعتماد على الموردين الخارجيين، ويضمن رقابة دقيقة على الجودة في جميع مراحل الإنتاج. وتُظهر الممارسات المعتمدة، مثل إخضاع الحليب لسلسلة فحوصات مخبرية متعددة قبل اعتماده، مستوى متقدمًا من الضبط والجودة المرتبطة بأنظمة رقابة حديثة.
ولا يقل البعد اللوجستي أهمية عن الإنتاج، إذ تعتمد الشركة على شبكة توزيع واسعة تغطي آلاف نقاط البيع، مدعومة بأسطول نقل حديث، ما يعزز كفاءة سلسلة التوريد ويضمن وصول المنتجات بجودة عالية إلى المستهلك. كما ينعكس هذا النشاط على سوق العمل، حيث يسهم في توفير عدد كبير من فرص العمل، بما يعزز الدور الاجتماعي للصناعة في الحد من البطالة ودعم التنمية المحلية.
ومن منظور الاستدامة، يبرز اختيار موقع المشروع في منطقة الحلابات كقرار استراتيجي مدروس، نظرًا لتوافر الموارد اللازمة للإنتاج، إلى جانب تبني ممارسات بيئية متقدمة تشمل إعادة تدوير المخلفات الزراعية والبلاستيكية وتحويلها إلى مدخلات إنتاجية، في نموذج يعكس توجهًا واضحًا نحو الاقتصاد الدائري وتقليل الأثر البيئي.
ويمتد هذا التكامل ليشمل الصناعات المساندة، حيث تم تطوير قدرات محلية في مجال التعبئة والتغليف، إلى جانب الاستثمار في إنتاج الأعلاف وإدارة مزارع الأبقار، بما يعزز استقلالية سلسلة الإنتاج ويحد من تأثير تقلبات الأسواق الخارجية.
إن هذا النموذج الصناعي لا يعكس نجاح شركة بعينها فحسب، بل يجسد رؤية أوسع للصناعة الأردنية القائمة على التكامل والابتكار والاستدامة والجودة. وهو دليل واضح على أن الاستثمار في الصناعة لم يعد خيارًا تكميليًا، بل ضرورة وطنية لتعزيز النمو الاقتصادي، وتحقيق الأمن الغذائي، وبناء اقتصاد أكثر مرونة وقدرة على مواجهة التحديات.
وفي ظل التحولات العالمية نحو سلاسل إمداد أكثر استقلالية ومرونة، فإن دعم هذه النماذج الصناعية وتوسيعها، وتطوير البيئة التشريعية والتمويلية الحاضنة لها، يمثل خطوة جوهرية لترسيخ مكانة الأردن كمركز صناعي إقليمي قادر على المنافسة، ليس فقط في الإنتاج، بل في تقديم نموذج تنموي متوازن يجمع بين الاقتصاد والمجتمع والبيئة.

























