د. وليد العريض يكتب: الأردن وفلسطين: حين يتكلم القلب الواحد بلغةٍ لا تنقسم

د. وليد العريض يكتب: الأردن وفلسطين: حين يتكلم القلب الواحد بلغةٍ لا تنقسم
نبأ الأردن -

...
ليست فلسطين قضية تُختزل في تعريفٍ ضيق ولا شأنًا يُحبس داخل حدود الجغرافيا، بل هي حالة ممتدة في الوجدان الإنساني والديني والقومي، إذ يقف المسجد الأقصى شاهدًا على أن الارتباط بها يتجاوز الانتماء السياسي إلى عمق العقيدة والهوية، كما أن حضورها في الوعي العربي لم يكن يومًا طارئًا أو عابرًا، بل كان دائمًا جزءًا من تكوين الذات العربية التي رأت فيها مرآة لكرامتها وامتحانًا لصدق انتمائها وفي بعدها الإنساني لم تكن فلسطين إلا حكاية الإنسان حين يُجرَّد من حقه في أرضه فيستحضر ضمير العالم كله.

وفي السياق الأردني الفلسطيني تتجلّى الصورة بأوضح معانيها حيث لا يمكن فصل الحكاية إلى نصفين دون أن تفقد معناها، فالأردن لم يكن يومًا مجرد ملاذ بل كان شريكًا في المسار والتكوين، كما أن الفلسطيني لم يكن وافدًا بلا أثر بل كان مساهمًا في البناء بما حمله من علم وخبرة وإرادة حياة وقد تداخلت العائلات والأنساب بين الضفتين حتى صار الانتماء شبكة معقدة من العلاقات الإنسانية التي لا تختزل في تعريف قانوني أو توصيف سياسي، وحين مرت المنطقة بتحولات تاريخية كبرى بقيت هذه الروابط أقوى من كل إعادة رسم للحدود أو تغيير في الصيغ الإدارية"

أما الأصوات التي تحاول تقديم فلسطين بوصفها شأنًا خاصًا فهي لا تعبّر عن عمق الحقيقة بقدر ما تعكس ضيق الرؤية أو اضطراب الفهم، لأن القضايا الكبرى لا تُقاس بمنطق الملكية ولا تُحصر بمنطق الانعزال ومن الأجدى أن يُقابل هذا الطرح بلغة هادئة تعيد التوازن إلى الفكرة وتؤكد أن قوة الأردن في تنوعه وتماسكه وأن حضور فلسطين في الوعي العربي ليس عبئًا بل قيمة مضافة للكرامة المشتركة وأن العلاقة بينهما ليست مجالًا للمفاضلة بل مساحة تكامل يتعزز فيها المعنى الإنساني والوطني معًا"

إن الهوية في هذا السياق ليست خيارًا ثنائيًا بين هنا وهناك بل هي امتداد طبيعي لوجدان واحد تشكّل عبر التاريخ، فالأردني الذي يحمل في قلبه فلسطين لا ينتقص من وطنيته والفلسطيني الذي يرى في الأردن وطنًا لا يفقد حقه ولا ذاكرته، بل إن هذا التداخل هو سر القوة لا موضع الضعف وهو ما يجعل من العلاقة بينهما نموذجًا فريدًا في التمازج الإنساني الذي يتجاوز الحدود دون أن يُلغيها ويحفظ الخصوصية دون أن يحوّلها إلى جدران فاصلة"

وفي النهاية تبقى الحقيقة أبسط من كل الجدل، ففلسطين ليست ملكًا لأحد حتى تُحصر ولا عبئًا على أحد حتى تُنفى والأردن ليس بديلًا عنها ولا منفصلًا عنها في الوجدان، بل كلاهما مساحة كرامة متصلة تتقاطع فيها الجغرافيا مع التاريخ ويتكامل فيها الانتماء مع المصير، ومن أراد أن يفهم هذه العلاقة حقًا فعليه أن ينظر إليها بعين القلب قبل عين السياسة، لأن ما يجمعهما أعمق من أن يُختصر وأبقى من أن يُنكر.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions