المهندس توفيق صالح الخواطرة يكتب: البلديات الأردنية أمام مفترق طرق: إصلاح بنيوي أم استمرار التآكل؟
نبأ الأردن -
كل محاولات إصلاح البلديات ستبقى محدودة الأثر، ما لم نمتلك الجرأة للاعتراف بأن الخلل في القواعد، لا في التفاصيل.
لم يعد من المقبول الاستمرار في تفسير التحديات التي تواجه البلديات في المملكة الأردنية الهاشمية باعتبارها مجرد انعكاس لنقص الموارد أو لقصور إداري محدود. فالمؤشرات المتراكمة، سواء على صعيد الأداء المالي أو جودة الخدمات أو مستوى رضا المواطنين، تشير بوضوح إلى أن جوهر المشكلة ذو طبيعة بنيوية تتعلق بتصميم النظام البلدي ذاته، وليس فقط بكيفية إدارته.
تعمل البلديات حالياً ضمن نموذج إداري يتسم بالهجين، حيث تتداخل فيه سمات المركزية واللامركزية دون وضوح في توزيع الصلاحيات والمسؤوليات. فمن جهة، تخضع البلديات لرقابة وإشراف مباشر من وزارة الإدارة المحلية، ومن جهة أخرى تُناط بها مسؤوليات تنفيذية واسعة في تقديم الخدمات الأساسية. هذا التباين يخلق حالة من الغموض المؤسسي، تضعف من وضوح المساءلة، وتحدّ من قدرة القيادات المحلية على اتخاذ قرارات فاعلة ومستقلة.
وعلى الصعيد المالي، تبرز إشكالية الاعتماد المرتفع على التحويلات الحكومية، مقابل محدودية الأدوات المتاحة لتعزيز الإيرادات الذاتية. كما يلاحظ غياب الربط المنهجي بين الأداء المالي وجودة الخدمات المقدمة، في ظل غياب حوافز مؤسسية تدفع نحو الابتكار أو تحسين الكفاءة التشغيلية. ويؤدي ذلك إلى استمرار حالة العجز المالي، وتراجع القدرة على تنفيذ مشاريع تنموية مستدامة.
أما فيما يتعلق بالموارد البشرية، فإن التحدي لا يقتصر على الأعداد، بل يمتد إلى نوعية الكفاءات والأنظمة الناظمة لها. إذ تعاني العديد من البلديات من اختلالات في الهيكل الوظيفي، تتمثل في تضخم في بعض الوظائف الإدارية، مقابل نقص في التخصصات الحيوية كالتخطيط الحضري، والإدارة المالية، والتحول الرقمي. كما أن أنظمة الحوافز الحالية لا تعكس الأداء الفعلي، الأمر الذي يضعف ثقافة الإنتاجية ويحدّ من فرص التطوير المؤسسي.
وفي جانب التخطيط، لا تزال العديد من البلديات تعمل ضمن إطار استجابي قصير الأمد، يفتقر إلى الرؤية التنموية المتكاملة. ويقترن ذلك بضعف في استخدام البيانات في اتخاذ القرار، مما يؤدي إلى مخرجات تخطيطية غير متوازنة، تشمل توسعاً عمرانياً غير منضبط، وضغطاً متزايداً على البنية التحتية، وعدم استثمار الفرص الاقتصادية المحلية بالشكل الأمثل.
ويأتي هذا كله ضمن بيئة تشريعية لا تزال تميل إلى التقييد أكثر من التمكين، حيث تحد بعض الأطر القانونية من قدرة البلديات على الدخول في شراكات استثمارية مرنة، وتُبقي العديد من الصلاحيات الجوهرية ضمن المستويات المركزية، بما يحدّ من فاعلية تطبيق مفهوم اللامركزية.
كما أن الإشكالية لا تقتصر على طبيعة الإطار التشريعي، بل تمتد إلى النهج المتّبع في التعامل معه. فالتعديلات المتكررة على القوانين، أو إصدار قانون إدارة محلية كل بضع سنوات، لم يثبت أنه يشكّل حلاً حقيقياً بقدر ما يعكس غياب الاستقرار في الرؤية الإصلاحية. إذ إن تغيير النصوص القانونية دون معالجة الاختلالات البنيوية في توزيع الصلاحيات، وآليات اتخاذ القرار، ونماذج التمويل، لا يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج ذات التحديات بأشكال مختلفة. فالمشكلة ليست في نقص التشريعات، بل في استخدامها كبديل عن الإصلاح الحقيقي.
ولا يمكن تناول هذا الخلل البنيوي بمعزل عن الدور غير المكتمل لمجالس المحافظات، التي أُنشئت في إطار تعزيز اللامركزية، لكنها لم تصل بعد إلى مستوى النضج المؤسسي المطلوب. فعلى الرغم من منحها صلاحيات في إقرار الأولويات التنموية، إلا أن تأثيرها الفعلي على تخصيص الموارد وصناعة القرار لا يزال محدوداً، في ظل تداخل الأدوار مع المجالس البلدية والسلطة التنفيذية المركزية.
وقد أفرز هذا التداخل حالة من الازدواجية في التخطيط وتضارباً في تحديد الأولويات، حيث تعمل كل جهة ضمن إطارها الخاص دون وجود آلية تكامل فعّالة. كما أن غياب أدوات تنفيذية حقيقية لدى مجالس المحافظات، مقابل محدودية الموارد، جعل دورها أقرب إلى الإطار الاستشاري منه إلى الفاعل التنموي، الأمر الذي أضعف من قدرتها على إحداث أثر ملموس على مستوى المحافظات.
ويُضاف إلى ذلك ضعف في البنية المؤسسية والدعم الفني، ما يحدّ من قدرتها على ممارسة دور رقابي وتنموي حقيقي قائم على البيانات والتحليل. وبدلاً من أن تشكّل هذه المجالس رافعة للتنمية المحلية، أصبحت في كثير من الأحيان جزءاً من التعقيد المؤسسي الذي يعيق وضوح القرار ويشتت المسؤوليات.
إن استمرار هذه التحديات يسهم في تآكل الثقة بين المواطن والمؤسسات البلدية، حيث ينعكس ضعف الأداء الخدمي على مستوى الالتزام المجتمعي، سواء من حيث دفع الرسوم أو المشاركة في الرقابة والمساءلة. ويؤدي ذلك إلى تكريس حلقة سلبية متكررة، تتغذى فيها محدودية الموارد وضعف الثقة بشكل متبادل.
وعليه، فإن معالجة هذا الواقع تتطلب تبني نهج إصلاحي شامل، يقوم على إعادة تصميم النموذج البلدي بما يعزز من كفاءته واستدامته، وبما يشمل كذلك إعادة تعريف دور مجالس المحافظات ضمن منظومة الحكم المحلي، وتوضيح العلاقة بينها وبين البلديات والجهات المركزية، بما يضمن تكامل الأدوار لا تنافسها.
ويشمل ذلك الانتقال نحو لامركزية مالية قائمة على الأداء، وإعادة تعريف دور الحكومة المركزية ليكون داعماً وممكّناً بدلاً من كونه إشرافياً فقط، إضافة إلى تطوير أنظمة حوافز مالية ومؤسسية ترتبط بشكل مباشر بمستويات الإنجاز، وفتح المجال أمام أدوات استثمار وشراكات أكثر مرونة.
كما يبرز دور إشراك الكوادر البلدية في آليات الرقابة الداخلية ومراجعة الأداء المالي كمدخل أساسي لتعزيز الشفافية وبناء ثقافة مؤسسية إيجابية. فالإصلاح المؤسسي لا يتحقق فقط عبر القرارات المركزية، بل يتطلب كذلك تفعيل الأدوار الداخلية وتعزيز المساءلة من داخل المنظومة ذاتها.
كتب المهندس توفيق صالح الخواطرة
مستشار الادارة المحلية
إن تمكين البلديات من أداء دورها كمحركات للتنمية المحلية يستدعي توفر الإرادة السياسية، والإطار التشريعي المناسب، والآليات التنفيذية الفاعلة. ولا يمكن تحقيق ذلك دون الاعتراف الصريح بأن التحدي القائم هو تحدٍ بنيوي بالدرجة الأولى، وأن الإصلاح الحقيقي يبدأ بإعادة النظر في الأسس التي يقوم عليها النظام البلدي.
إن الانتقال من إدارة الأزمة إلى إعادة التصميم لم يعد خياراً، بل ضرورة وطنية تفرضها متطلبات التنمية المستدامة، وتطلعات الدولة الأردنية نحو قطاع عام أكثر كفاءة وفاعلية.

























