م. صلاح طه عبيدات يكتب: هندسة المشاعر بين الذكاء العاطفي والذكاء الاصطناعي
نبأ الأردن -
لم تعد المشاعر، في عصر التحول الرقمي، شأنًا داخليًا خالصًا يعيش في أعماق الإنسان، بل أصبحت محورًا لتحليل دقيق، وهدفًا لتقنيات تسعى إلى فهمها والتأثير فيها. وبين الذكاء العاطفي بوصفه مهارة إنسانية أصيلة، والذكاء الاصطناعي كقوة تقنية صاعدة، يتشكل مجال جديد يمكن تسميته مجازًا بـ"هندسة المشاعر”.
برز مفهوم الذكاء العاطفي بوصفه إطارًا يربط بين وعي الإنسان بذاته وقدرته على إدارة انفعالاته وبناء علاقات متوازنة. فالإنسان لا يُقاس فقط بما يعرف، بل بكيفية تعامله مع ما يشعر به. ومن هنا، أصبح الذكاء العاطفي عنصرًا حاسمًا في القيادة، والتعليم، وبناء العلاقات الإنسانية.
في المقابل، يشهد الذكاء الاصطناعي تطورًا غير مسبوق، تقوده مؤسسات تقنية كبرى مثل OpenAI وGoogle، حيث تجاوز دوره معالجة البيانات الصماء إلى تحليل السلوك الإنساني. فالأنظمة الحديثة باتت قادرة على قراءة تعابير الوجه، وتحليل نبرة الصوت، وتتبع أنماط التفاعل، لتستنتج الحالة العاطفية للمستخدم بدرجة متزايدة من الدقة.
لكن، رغم هذا التقدم، يظل الفارق الجوهري قائمًا: الذكاء الاصطناعي لا يشعر، بل يحاكي الشعور. إنه يتعامل مع المشاعر كبيانات، بينما يعيشها الإنسان كتجربة وجودية. وهذه الفجوة ليست تقنية بقدر ما هي فلسفية، تطرح تساؤلات عميقة حول حدود الآلة وإمكانات الإنسان.
ومع ذلك، فإن التلاقي بين الذكاء العاطفي والذكاء الاصطناعي يفتح آفاقًا واعدة. ففي التعليم، يمكن للأنظمة الذكية أن تساعد المعلمين على فهم استجابات الطلبة، والتدخل في الوقت المناسب. وفي الرعاية الصحية، يمكن تتبع الحالة النفسية للمرضى وتحسين جودة الدعم المقدم لهم. أما في بيئات العمل، فإن تحليل المشاعر قد يسهم في بناء فرق أكثر انسجامًا وتقليل مستويات التوتر والاحتراق الوظيفي.
غير أن هذه الإمكانات لا تخلو من مخاطر. فالتعامل مع المشاعر بوصفها بيانات يثير قضايا حساسة تتعلق بالخصوصية، والملكية، وإمكانية التلاعب. من يملك الحق في الوصول إلى مشاعرنا؟ وكيف يمكن ضمان عدم استغلالها في توجيه سلوكنا أو التأثير على قراراتنا دون وعي منا؟
إن "هندسة المشاعر” ليست مشروعًا تقنيًا فحسب، بل هي اختبار أخلاقي وإنساني. فكلما ازدادت قدرة الآلة على فهمنا، ازدادت حاجتنا إلى وعي يحمي إنسانيتنا. وهنا، يتجلى الدور المحوري للذكاء العاطفي، ليس فقط كمهارة فردية، بل كحارس للقيم في زمن تتسارع فيه الآلات.
قد تنجح التكنولوجيا في قراءة وجوهنا، لكنها لن تفهم أعماقنا كما نفعل نحن. وسيبقى التحدي الحقيقي ليس في تطوير آلات تشبهنا، بل في الحفاظ على إنسانيتنا ونحن نطوّرها.
























