عماد داود يكتب: نُحارب المخدرات بالدم... ونحرق الخرز بالفتوى!
نبأ الأردن -
في هذا البلد، هناك رجال برتب عسكرية حقيقية يقفون عند الفجر على حدود لا تنام.
رجال يعرفون شكل المسيّرة قبل أن تظهر، ويعرفون رائحة الكبتاغون قبل أن يصل، ويعرفون أن الخطأ هناك لا يُكتب في محضر، بل يُدفن في جنازة!
القوات المسلحة الأردنية — الجيش العربي وقوات حرس الحدود — لا تصدر بيانات النصر كلما أسقطت طائرة محملة بالمخدرات، لأنها تعرف أن الدم الذي يُدفن في الرمال لا يحتاج إلى لجنة إتلاف ولا إلى فتوى.
تُسقطها فقط.
وإدارة مكافحة المخدرات لا تشرح كثيراً حين تداهم وكراً لتجار السم.
بعض الرجال يعودون.
وبعضهم يعودون أسماء.
هذه حرب حقيقية.
حرب بالدم!
وفي الجهة الأخرى من الدولة، هناك حرب أخرى.
حرب بالختم الرسمي.
ضُبطت أعمال شعوذة.
وحُجزت أصولياً.
وشُكّلت لجنة مختصة لإتلافها.
واستُؤنس برأي دائرة الإفتاء العام.
ثم أُتلفت الخرزة الزرقاء!
والوطن — بعد هذا الانتصار التاريخي — عاد إلى توازنه الاستراتيجي!
بلد يسقط فيه شهداء في مواجهة المخدرات، وتُسقط فيه المسيّرات على الحدود، وتُضبط فيه ملايين الحبوب السامة، كان يحتاج فعلاً إلى جهة تتفرغ للمعركة الأعمق:
مطاردة الخرزة الزرقاء المختبئة بين بيجامة أطفال ودبدوب صغير!
هنا فقط أفهم دونكيشوت.
ذلك الفارس الإسباني العجوز الذي خرج يحارب طواحين الهواء لأنه ظنها عمالقة.
كان بريئاً أكثر مما ينبغي.
أما نحن، فقد تجاوزناه حضارياً.
نحن لا نخطئ في تعريف العدو.
نعرف جيداً الفرق بين الطاحونة والعملاق.
ونختار الطاحونة!
ليس لأننا لا نرى العملاق، بل لأن الطاحونة لا تطلق النار.
لا تحتاج إلى مداهمة. لا تُسقط شهيداً. ولا ترد على البيان الرسمي!
الخرزة الزرقاء عدو مثالي.
صغيرة. مهذبة. ثابتة.
يمكن تصويرها قبل الإتلاف.
يمكن أن تنتهي داخل خبر قصير وصورة نظيفة ومحضر مكتمل الأركان.
أما الكبتاغون، فعدو سيئ التربية.
يعبر الحدود بطائرات مسيّرة. يأتي ببالونات ذكية. يموّل نفسه. يشتري ضعفاء النفوس.
ويحتاج إلى رجال برتب عسكرية حقيقية، لا إلى صياغة صحفية جيدة.
ولهذا، من الحكمة المؤسسية، أن نُحسن اختيار خصومنا.
الخرزة الزرقاء أكثر احتراماً للنظام العام من كثير من البشر!
لا تهرب. لا تستأنف القرار. لا توكّل محامياً. ولا تعود في البالون التالي.
أتخيل اجتماع الضابطة الجمركية.
مشهد يليق بأرشيف الدولة.
لواء يجلس بوقار الرتبة. عميد يفتح الملف. عقيد يراجع المضبوطات. ورائد ينتظر الأمر.
وعلى الطاولة...
الخصم.
الخرزة الزرقاء.
تنظر إليهم بكل صفاقة السحر القديم.
اللواء يتنحنح: الوضع خطير.
العميد يهز رأسه: واضح يا باشا.
العقيد يقول بحزم: يجب أن يُستأنس برأي دائرة الإفتاء العام.
يُستأنس.
تصل الفتوى: نعم، هذه خرزة زرقاء. نعم، فيها شبهة. نعم، أتلفوها!
فيتنفس الجميع براحة.
لقد انتصر القانون!
وقبل الإتلاف بلحظة واحدة،
نظرت الخرزة الزرقاء من نافذة المستودع إلى السماء.
رأت بالوناً ذكياً يحلق بهدوء نحو الحدود.
وقالت بهدوء:
"محظوظ. أنت محظوظ."
وأقترح هنا — بكل احترام للرتب العسكرية الحقيقية — تطويراً إدارياً بسيطاً ينسجم مع طبيعة المعركة الجديدة.
تبقى الرتب كما هي، لكن يُضاف إليها الامتداد العرفاني الذي تستحقه المرحلة.
لواء جمارك: قطب المعابر العليا.
عميد: شيخ الطريقة الجمركية.
عقيد: حافظ أسرار الحجب.
مقدم: نقيب السالكين في مسالك الحسد.
رائد: راصد الذبذبات السفلية.
نقيب: كاشف الطرود المشبوهة روحياً.
ملازم: مبتدئ في علوم الخرز التطبيقية.
أما الجندي، فإذا استطاع التمييز بين الحجاب والحشيشة من مسافة عشرة أمتار، يُمنح رتبة مريد أول!
ولون الطربوش يحدد الدرجة: الأخضر لمن يكتشف عين الحسود بالشم. والأحمر لمن يشعر بالطاقة السلبية قبل فتح الطرد. والأسود لمن بلغ مرتبة الكشف الأعلى، فلا يحتاج إلى فتوى، لأنه صار هو الفتوى!
أما الترقية، فلا تكون بالأقدمية.
بل بصفاء البصيرة!
ومن أتلف عملاً سفلياً بنظرة واحدة، يُمنح وسام بردة مكافحة الحسد الممتازة، مع إكليل من الخرز الأزرق المُعاد تدويره — خدمة للاستدامة الوطنية!
لكن السخرية الحقيقية ليست في اللجنة. ولا في الفتوى. ولا حتى في الخرزة الزرقاء.
السخرية أن الناس يطلبونها أصلاً.
حين تطلب أم حجاباً لابنها، فهي لا تشتري خرافة.
هي تشتري طمأنينة.
حين يعلق رجل تميمة خلف باب بيته، هو لا يعلق سحراً.
هو يعلق خوفه.
الخوف من الفقر. الخوف من المرض. الخوف من الخذلان. الخوف من عالم صار أكبر من قدرة الإنسان العادي على الاحتمال.
الناس لا يذهبون إلى الخرافة لأنهم يحبون الظلام.
يذهبون إليها حين يشعرون أن الضوء الرسمي لا يكفي.
الدولة رأت الخرزة الزرقاء. ولم ترَ السبب.
أتلفت العرض. وتركت المرض.
كأن طبيباً وجد مريضاً ينزف، فغضب من لون الضمادة!
البيانات تحب الأشياء الصغيرة. الواضحة. القابلة للإتلاف.
أما الأسئلة الكبيرة — لماذا يدخل السم؟ لماذا يبحث الناس عن الوهم؟ لماذا تبدو الخرزة أحياناً أكثر حضوراً من العدالة؟ — فهذه أسئلة لا تُتلفها لجنة.
ولهذا لا تُطرح!
سيستمر الجيش العربي في إسقاط المسيّرات.
وسيستمر رجال مكافحة المخدرات في مطاردة الموت.
وسيستمر المواطن في البحث عن شيء صغير يعلقه في عنقه كي يصدق أن الغد أقل قسوة.
وستصل الخرزة الزرقاء التالية.
في لعبة أطفال من SHEIN ربما. أو بين ثياب جديدة. أو داخل هدية بريئة من الخارج.
وستُضبط. وستُحجز أصولياً. وسيُستأنس برأي دائرة الإفتاء. وسيصدر البيان.
وسيُقال لنا مرة أخرى إن الوطن بخير.
وأنا أصدقهم.
أصدقهم تماماً!
دولة شهداؤها لم يوقفوا السم بعد، وجماركها أوقفت خرزة زرقاء — لا بد أنها تعرف الخطر أكثر منا جميعاً!
المشكلة فقط...
أن الكبتاغون لا يقرأ البيانات الرسمية.
لكنه، على الأرجح،
يضحك!


























