د. وليد العريض يكتب: الغابة التي لا يستجاب فيها الدعاء "اعترافات قائدٍ رفض الغرق الجماعي"
نبأ الأردن -
لم أكن جبانًا كما قالوا ولم أكن خائنًا كما خطّوا على جذوع الأشجار عباراتهم السهلة التي تُقال حين يعجز العقل، كنت فقط أعرف وبشكلٍ موجعٍ لا يحتمل الزينة، أن البحر لا يُدار بالخطب وأن الأمواج لا تنحني للأوامر وأن من يجلس على غصنٍ عالٍ يرى نفسه أكبر مما هو عليه ولا يرى ما يحدث تحت الماء ولذلك حين أمرني الرئيس الطاووس أن أتقدم بأسطولي نحو العمق كنت أعرف، لا بالتخمين بل باليقين، أنني لا أذهب إلى معركة بل إلى مقبرةٍ جماعية وأن الجنود الذين سيُصفَّق لهم اليوم بحماسٍ مدرّب سيُنسَون غدًا بسهولةٍ مخجلة كما تُنسى كل الأخطاء حين يُعاد تسميتها انتصارات"
رأيت في العمق ما لا يمكن صياغته في بيان وما لا يُختصر في جملةٍ تصلح للنشر، رأيت كيف تبتلع المياه الصراخ دون أن تعيده وكيف يتحول الحديد، بكل ثقله وغروره، إلى عبءٍ حين لا يعرف طريق النجاة وكيف أن الشجاعة التي يتحدثون عنها من فوق الأغصان لا تساوي شيئًا حين تصبح السماء نارًا والبحر فخًا ولذلك عدت، لا هاربًا كما قالوا بل شاهدًا على ما لا يريد أحد أن يراه، وعدت ومعي حقيقة واحدة ثقيلة كالماء حين يغلق عليك: نحن لا نحارب، نحن نُرسَل لنغرق"
حين وقفت أمام الرئيس الطاووس، لم يكن مشغولًا بالحرب كما ظننت، بل كان منشغلًا بترتيب ريشه كما لو أن المعركة عرض أزياءٍ طويل، كان يسأل عن النصر كما يسأل طفل عن لعبةٍ جديدة لا يعرف قواعدها، فقلت له، وأنا أحاول أن أضع البحر في كلمات، إن البحر لا يلعب معنا وإن الذين في العمق ليسوا ظلالًا بل خصومًا يعرفون ماذا يفعلون وإن إرسالنا مرةً أخرى لا يعني شجاعةً إضافية بل غيابًا نهائيًا، لكنه لم يسمع، لأن من اعتاد أن يرى نفسه بطلًا لا يحتمل أن يسمع أنه مجرد زينةٍ فوق شجرة"
اتهموني بالخوف وكنت أضحك في داخلي بمرارةٍ لا تُرى لأنهم لا يعرفون الفرق بين الخوف والمعرفة، فالخائف يهرب لأنه لا يفهم، أما أنا فقد عدت لأنني فهمت أكثر مما يجب وفهمت أن الحرب التي تُدار بالغرور لا تُنتج إلا الهزيمة مهما طال التصفيق وأن الجنود الذين يُطلب منهم أن يكونوا شجعانًا إلى هذا الحد إنما يُطلب منهم أن يموتوا بصمتٍ منضبط وأن يتركوا خلفهم بياناتٍ جميلة تُقرأ في نشرات المساء وتُنسى قبل الصباح"
قالوا إنهم سيأتون بقائدٍ أشجع، فابتسمت لأنني أعرف هذا النوع جيدًا، شجاعة لا ترى البحر ولا تسمع الموج ولا تعترف بالعمق، شجاعة تتغذى على التصفيق وتعيش على الأكاذيب وتكبر في الغرف المغلقة، ثم تموت بسرعةٍ فاضحة حين تكتشف أن الماء لا يعترف بها ولا يميّز بينها وبين غيرها وتركت لهم مكاني كما يُترك المقعد في مسرحيةٍ انتهت قبل أن تبدأ، لأنني لم أعد أحتمل أن أكون جزءًا من عرضٍ عنوانه النصر ونهايته الغرق"
والآن، وأنا أقف عند حافة البحر بين صمتٍ يعرف وصخبٍ لا يفهم، أراقب الغابة وهي تستعد لحربٍ جديدة بنفس الحماس القديم وكأن شيئًا لم يحدث، أرى القرود تصفق بحماسةٍ محفوظة، والضباع تحلل بثقةٍ مصطنعة والنعام تدفن رؤوسها بجديةٍ تُشبه الواجب الوطني وأرى الرئيس الطاووس يلمّع ريشه استعدادًا لخطابٍ آخر يعلن فيه ما لا يعرف، فأدرك أن المشكلة لم تكن يومًا في البحر ولا في العمق، بل في أولئك الذين يعتقدون أن الوقوف فوق الغصن يمنحهم القدرة على فهم ما تحته، وأهمس لنفسي، لأنهم لن يسمعوا ولن يريدوا أن يسمعوا: من يطلب من الآخرين أن يكونوا شجعانًا مكانه… لا يبحث عن النصر، بل عن شهودٍ على فشله"


























