د. عبدالله محمد القضاة يكتب: العروبة والإسلام: حين يلتقي الجسد بالروح في فضاء الهوية
نبأ الأردن -
في زمنٍ تتصاعد فيه الأسئلة الحارقة حول الهوية، وتختلط فيه المفاهيم بين القومي والديني، تبدو العلاقة بين العروبة والإسلام وكأنها ساحة اشتباك فكري مفتوح. هناك من يريدها صراعاً صفرياً، وهناك من يسعى لإذابة أحدهما في الآخر، لكن الحقيقة الأعمق والأكثر تماسكاً هي أن العروبة والإسلام ليسا خصمين، بل هما بعدان مختلفان في كيان واحد—كالجسد والروح—لا يستغني أحدهما عن الآخر، ولا يكتمل المعنى إلا بهما معاً.
الإسلام: الرسالة الكونية والقاعدة التأسيسية
إن الإسلام في جوهره ليس مشروعاً عرقياً ولا قومياً، بل هو رسالة كونية تتجاوز الحدود والأنساب، وتعيد تعريف الإنسان على أساس أخلاقي وقيمي: "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم” الحجرات،2". هذه ليست مجرد عبارة وعظية، بل هي قاعدة تأسيسية تعيد ترتيب العالم؛ فالتفاضل في الإسلام ليس امتيازاً موروثاً بل مسؤولية مكتسبة بالتقوى والعمل الصالح.
وكما يؤكد المفكر محمد عمارة، فإن الإسلام جاء ليتلبس اللغة العربية التي بلغت مبلغها من قوة التعبير والإيضاح، لتتشكل من كليهما وحدة حضارية حملت رسالتها إلى العالمين. فالإسلام هو الذي منح العروبة صبغتها العالمية، والعروبة هي التي قدمت للإسلام وعاءه البياني الأول.
العروبة: الوعاء الحضاري واللسان المبين
في المقابل، لم يأتِ الإسلام في فراغ، بل جاء بلغة، وفي سياق، وتحرك في بيئة. وهنا تتقدم العروبة—لا بوصفها امتيازاً عرقياً—بل بوصفها الوعاء الحضاري الأول للوحي. لم تكن اللغة العربية أداة بيان وحسب، بل كانت حاملة المعنى، والجسر الذي عبرت عليه الرسالة إلى العالم. لم تُقدّس العربية لأنها عربية، بل لأنها حملت القرآن؛ ولم تُمنح قيمة بذاتها، بل بما أدت من وظيفة في تبليغ رسالة السماء.
هذا التوازن الدقيق هو ما غاب عن كثير من القراءات المعاصرة. فحين تتحول العروبة إلى عصبية مغلقة، فإنها تنقلب على جوهر الإسلام الذي جاء ليكسر احتكار النسب والقبيلة. وحين يُنظر إلى الإسلام باعتباره منفصلاً عن سياقه اللغوي والحضاري، فإننا نجرد الفهم من أداته الأولى في التلقي والتبليغ.
الهوية الوطنية: تجلٍّ خاص للانتماء العربي الإسلامي
إن العلاقة بين العروبة والإسلام هي علاقة تكامل لا تنافس. الإسلام هو الروح التي تعطي المعنى والاتجاه، والعروبة هي الجسد الذي يحمل هذا المعنى ويجسده في الواقع. وكما قال النبي ﷺ: "ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب". فالمعنى يسبق الشكل، والداخل يوجه الخارج.
ومن هذا المنطلق، فإن المحافظة على الهوية الوطنية لأي بلد عربي، بما ينسجم مع انتمائه العربي والإسلامي، لا يتعارض مع هذه المبادئ. فالهوية الوطنية ليست نقيضاً للعروبة أو الإسلام، بل هي تجلٍّ خاص لهما في جغرافيا وتاريخ محددين. والمحافظة على خصوصية هذه الهوية هي جزء من الوفاء للرسالة العربية الكبرى، والالتزام بالقيم الإسلامية السامية.
نحو وعي جديد: العروبة خادمة للرسالة
السؤال الحقيقي ليس: أيهما أولى—العروبة أم الإسلام؟ بل هو: كيف نعيد بناء العلاقة بينهما على أساس التكامل؟ كيف نجعل من العروبة فضاءً ثقافياً مفتوحاً يخدم رسالة الإسلام بدلاً من أن يحتكرها؟ وكيف نحفظ للإسلام عالميته دون أن نقطع جذوره اللغوية والحضارية؟
إن الإجابة تبدأ من كسر ثنائية الصراع. لا حاجة لإقصاء العروبة باسم الدين، ولا لتسييس الدين باسم القومية. ما نحتاجه هو وعي جديد يعيد الأمور إلى نصابها: الإسلام يحدد القيم، والعروبة تساهم في حملها؛ الإسلام يضع الميزان، والعروبة جزء من الكفة، لا الميزان نفسه.
حين يلتقيان.. تنفتح آفاق العالم
في لحظة تاريخية تبحث فيها المنطقة عن معنى، وعن مشروع، وعن توازن بين الأصالة والانفتاح، فإن استعادة هذا الفهم ليست ترفاً فكرياً، بل ضرورة وجودية. فالأمم لا تنهض بالشعارات المتنازعة، بل بالتصورات المتكاملة.
حين يلتقي الإسلام بالعروبة، والعروبة بالإسلام، فإننا لا نكون أمام ازدواجية، بل أمام وحدة عميقة: جسد يتحرك بروح، وروح تجد في الجسد طريقها إلى العالم. هكذا تظل الهوية الوطنية، هويةً حيةً، منتميةً، وأصيلةً، تستمد قوتها من هذا الثنائي الخالد الذي صنع حضارة الأمة ومستقبلها.
* أمين عام سابق


























