فيصل النجداوي يكتب : عمر العبداللات حين تكون الأغنية وطناً والوفاء هوية
نبأ الأردن -
بين ثنايا الحناجر التي صقلتها شمس الأردن، وفي زمن تزدحم فيه الأصوات وتقل فيه الانتماءات الحقيقية، يبرز اسم عمر العبداللات لا كفنان عابر، بل كحالة وطنية عتيدة وجبل راسخ لا تهزه رياح التأويلات الضيقة ولا تخدش سطحه موجات عابرة من سوء الفهم، فقد صاغ هذا الفنان الإنسان على مدار خمسة وثلاثين عاماً وجداننا الجمعي، فكان صوت البلد الذي لم يهدأ، والوفيَّ الذي لم يتبدل حين تبدلت الوجوه والمواقف، واليوم، وأمام موجة من الهجوم المجتزأ الذي يحاول حصر تاريخٍ حافلٍ بالولاء والانتماء في تأويلٍ ضيقٍ لأغنية وشلونكي، يبرز التساؤل المنطقي والحضاري كيف يُمكن لقامةٍ أحيت تراث المحافظات من شمالها إلى جنوبها، ونذرت صوتها للجيش والملك والقضية، أن تُتَّهم بالتندر على لهجةٍ هي في الأصل عصب أغنيته وجوهر هويته؟ إن الكرك والطفيلة ومعان، وكل ذرة تراب في هذا الوطن، ليست مجرد مسميات جغرافية لعمر، بل هي المرجعية والمنبت، وهو الذي طاف بالعالم حاملاً العقال المقصب ولهجة الأردنيين بزهوٍ لم يسبقه إليه أحد، فمنذ ثلاثة عقود ونيف وهذا المبدع ينسج من صوته خريطة للأردن، غنى للمدن حتى حفظت الشوارع اسمه، وغنى للجيش حتى صار صوته رفيق الخاكي في كل خندق، وغنى للملك والبلد بصدق العفوية وبساطة الروح، ومن المجحف جداً اليوم أن يُحاكم تاريخٌ ممتدٌ من العطاء بميزان أغنية فُهمت على غير مقصدها، فعمر الذي أحيا التراث الأردني وأعاد للهجة العتيقة بريقها في المحافل الدولية لا يمكن أن يتنمر على أهله، لأن الكرك بالنسبة له ليست مجرد لهجة، بل هي هيبة وجذور وصمود، وما تلك المفردات التي تغنّى بها إلا استحضاراً لزمنٍ جميل نخشى عليه من النسيان، فكيف يُتهم بالاستهزاء من يعصر قلبه ليُخرج لحناً يليق بالأرض؟ إن صوته الذي غنى للكرك وأهلها بدمه قبل حنجرته لا يمكن أن يكون يوماً أداة للتنمر، بل هو احتفاءٌ بالعراقة بأسلوب السلطي العتيق الذي يعرف قيمة الخثّة والمفردة التي غابت عن قواميس الحداثة الباهتة وحفظها هو في ثنايا ألحانه، ومن العجيب أن يُحاكم فنانٌ بحجم وطن على غيرةٍ عابرة، وهو الذي ظل متمسكاً بالناس والأرض في حين تخلّى الكثيرون عند أول منعطف، وهذا الفتى الأردني الحنون الذي ظل متمسكاً بالبساطة رغم النجومية، وبالوفاء رغم تغير المسارات، يستحق منا أن نقرأ فنه بعين المحبة لا بعين الترصد، فهو لم يغير جلده يوماً، ولم يتنصل من هويته الأردنية العميقة، بل ظل الجسر الذي يعبر عليه الأحفاد ليتعرفوا على مآثر الأجداد، والكرك والطفيلة وكل محافظاتنا العزيزة هي قلاع وعيٍ أكبر من أن تُوضع في سياق خلاف على أغنية، هي الحواضن التي خرج منها عمر ومثله الكثير من المخلصين، وإن الهجوم على العبداللات هو في حقيقته استهدافٌ لرمزية الفن الملتزم، وعلينا أن نعترف بوعيٍ أن هذا المبدع لم يسيء يوماً، ولم يخرج عن طور الوفاء، بل ظلّ كركياً في الكرك، وسلطياً في السلط، وفلسطينياً في القدس، وعربياً في القاهرة، فالكرك لا تحتاج أوصياء ليدافعوا عنها ضد ابنها، فهي أكبر من الكلمات، وعمر أكبر من أن يُنال من تاريخه بكلمة أو لحنٍ يُراد به الفرح والبهجة، لذا فإن الدفاع عن عمر العبداللات هو دفاع عن مسيرة فنية وطنية بيضاء لم تلوثها الإساءة يوماً، دعونا نحتفي برمزنا الحي، ونقدر صمته وترفعه عن الرد، ونبادله حباً بحب، ووفاءً بوفاء، فاتركوا هذا المبدع يواصل عزفه على أوتار قلوبنا، فمن زرع فينا الفرح والاعتزاز طيلة عقود، وزرع الوطن في قلبه، لا نحصد له اليوم إلا التقدير، فهو صوتنا الذي نحب، وقلبنا الذي ينبض بالانتماء، وسيبقى أبو حسين كما عرفناه كبيراً بفنه، بسيطاً في قلبه، وعظيماً بوفائه للأردن وأهله، وسلامٌ على عمر، وصوت عمر، ووفاء عمر الذي لا يشيخ ولا ينكسر.


























